الشارقة: جيهان شعيب

الترابط الإنساني يعني أن يكون المرء واعياً لمتطلبات الآخرين النفسية بشكل أساسي، وأن يضع نفسه على خط واحد معهم، بتفهمهم جيداً، ليستطيع دعمهم، ومساندتهم في المواقف المختلفة، إن كانوا في حاجة لذلك. والتفهم هنا يعزز التراحم، والتعاون، والتكافل، والتعايش، والتسامح، والأمان، والمحبة، والسلام لتبدو الحياة أكثر أماناً، وصحةً، وطمأنينةً، ومودةً، واستقراراً، ونمواً، وتوازناً، وقيمة، ورخاء، وعطاءً، وفي الوقت ذاته تقل التحدياتٍ، والمشكلات، والشكاوى، والأزمات وغيرها. 
اعتماداً على هذه القاعدة السلوكية، أطلق د. أمجد يوسف أبوسويد كاتب وباحث في التربية والعلوم الإنسانية، واستشاري تطوير شخصي ومؤسسي مختص في السلوك المعرفي العلاجي وعلم النفس، مبادرة، أو نظرية ببنود مختلفة، تضمنها كتاب بعنوان «التفهم» تعتمد على أن يضع الإنسان نفسه في موقع الآخرين.
توثيق العلاقة 
تركز الهدف الأساسي من المضامين التي احتوتها المبادرة توثيق العلاقات الطيبة بين الأفراد وبعضهم في مواقعهم المختلفة، بتلمسهم ما يعتمل في دواخلهم من احتياجات نفسية، وإنسانية، من خلال أن يضع الفرد من هؤلاء نفسه مكان الآخر، وأن يشعر بشعوره، ورؤيته، ومواقفه، ليتمكن من التفاعل معه بشكل إيجابي، وأن يبذل الجهد لاكتشاف الذات، واستثمار القدرات، واستنهاض الهمم للتأثير والتأثر. 
علاوة على وجوب تقبل الآخرين، وتفهم مواقفهم، ومشاعرهم، والدفاع عن حقوقهم، وإدراك أنهم مختلفون في الفكر، والوعي، والقناعة، والصبر، والرضا، لذا علينا منحهم قدراً معيناً من الرفق، والاحترام، والتقدير والمرونة، والتراحم، والاحتواء، وتبادل الآراء.
أسباب عدة
عن ذلك يقول د. أبوسويد: جاءت فكرة هذه النظرية نتيجة التحديات في ظل مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الإحساس بالآخر ضعيفاً، والمشاعر قد تكون غير واقعية من خلال الشاشات، مع إعطاء الاهتمام للرموز التعبيرية للتقنية، دون مشاعر حيّة وصادقة.

 


حيث أصبحت معظم العلاقات تنتهي بالحذف أو الحظر، أو إخفاء المنشور، أو الإلغاء من قائمة الاتصالات، أو العتاب، عن السبب في عدم التجاوب أو الرد، أو المشاركة، أو التعليق والتفاعل، دون انتظار التوضيح أو التفهّم من الطرف الآخر، ودون معرفة ماهية الأسباب والظروف التي حالت دون التجاوب أو الرد أو المشاركة.
علاوة على التحديات، والصعوبات التي يواجهها الكثير من الناس في ظل الظروف الصعبة، والكوارث والحروب، والتي أسفرت عن الكثير من المشاكل، وعدم تقبل الآخر، وأحياناً إقصائه، ووصل الأمر إلى حد إلغاء حياة الآخر لأسباب لا يعرفها الطرفين، فيما قلة فقط هم من يتحملون المسؤولية الإنسانية، والمجتمعية والوطنية، والأخلاقية، وبالتالي انقسم الناس إلى فئات منهم من يؤيد الحق، ومنهم من يؤيد الباطل، ومنهم من يقف على الحياد، ومنهم من بقي رمادياً.
كيفية 
عن كيفية أن يكون الإنسان متفهّماً بشكل شبه كامل أو مثالي، أوضح د. أبوسويد بقوله: من المهم جداً ومن الأفضل، والأنفع أن يتفهّم المرء نفسه أولاً، ومن ثم أن يهتم كثيراً بتفهّم الآخرين، حيث من يتفهّم نفسه يمتلك رضا وحكمة، والذي يتفهّم الآخرين يمتلك عِلماً ومعرفة، فيما يتأتى تطبيق هذه النظرية في المجتمع من خلال تعزيز أهمية تقدير الإنسان لذاته وللآخرين، وبث روح التعاون والتكامل بين الناس، ونشر ثقافة جمال الاختلاف من خلال وسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية.
وأن يكون الحوار بين الناس للإقناع، والتفهّم وليس للإلزام، وأن يتحدث الفرد بأحسن القول، ويظهر أفضل ما لديه ولدى الآخرين، ويقول لهم قولاً كريماً، ويستثمر القدرات، ويستنهض الهمم، وينشر الخير، ويزرع الآمل، على أن يكون لسلبياته بصيراً، ولسلبيات غيره ضريراً، ليصبح من أولئك الذين يضيفون أثراً إيجابياً، واستقراراً، وسعادة وفرح للحياة.
وأن تزداد العلاقات بين الناس انسجاماً وتعاوناً وتكاملاً بالتراضي، فالعلاقات تدوم فترات أطول بالتغافل، ولكنها تتأرجح، وتمرض بالتدقيق، والمحاسبة على كل صغيرة وكبيرة، كما أن بعض العلاقات تضعف، وقد تنتهي أحياناً بالكراهية والاستفزاز حال التحقيق، فروعة علاقة الفرد مع الناس تكمن في الابتسامة، والكلمة الطيبة والعمل الصالح، وما يمنحه لهم من تفهّم.
مجال الاتصال
تابع د. أبو سويد: وفي مجال الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي من الأفضل أن يعطي الفرد الآخرين فرصة للإجابة على الاتصال الهاتفي أو الواتس أب، أو الفيسبوك، أو الإنستغرام أو التلغرام، أو أي موقع تواصل اجتماعي أو تقني، وأيضاً إذا تحدّث مع أحد فعليه أن يعطيه وقتاً للإجابة، وفرصة للرد، وترك مساحة للظروف الخاصة، وللراحة والطعام، والأسرة والعمل.
وإذا كان الفرد يرغب في التواصل الضروري مع الطرف الآخر، فليترك فترة مناسبة بين الاتصالين، وفي تلك الحالة، من الأفضل أن يرسل رسالة نصية بالضرورة القصوى للاتصال، لأنه من الممكن أن يكون الطرف الآخر مشغولاً، أو يقود مركبته، أو لديه ظرف خاص لا يستطيع التواصل مع الآخرين.
وإذا كان جهاز الاتصال للطرف الآخر متاحاً على الشبكة في حالات مواقع التواصل الاجتماعي، فليس بالضرورة أن يكون صاحب الجهاز مُتاحاً أو جاهزاً دوماً للرد، فلربما لا يستطيع الإجابة مباشرة، أو أنه لا يمتلك جواباً، أو أنه غير جاهز للإجابة، ومن الأفضل استخدام مزايا أوضاع الهاتف المحمول (صامت، طيران) في بعض الأماكن مثل مستشفى، مسجد، أو إذا كان الفرد في حضرة الوالدين. وكذا الأمر حين الاجتماع بالعائلة وحضور الأبناء، أو في الاجتماعات الخاصة، أو اجتماعات العمل، يفضل أن يكون صوت الهاتف منخفضاً جداً أو صامتاً، مع التوقف عن استخدام التواصل الاجتماعي، إلا للضرورة حسب الزمان والمكان، أما في الحالات الاعتيادية لإجراء المكالمات أو التواصل، يفضّل أن يبدأ الفرد بالسلام، وتعريف نفسه، وماذا يريد، ليسهل للطرف الآخر التعاون والتجاوب معه بيسر وسهولة.

 


المفيد والنافع
من المهم أن يشارك بالمُفيد والنافع له وللناس وللعالم، خاصة على مواقع التواصل، وأن يقدم الأشياء المميزة والمحببة، والتجارب النافعة له، وللمجتمع وللناس وللعالم من حوله، ولا يهتم كثيراً بالإعجاب أو الكلام، أو التفاعل، أو التعليق الإيجابي، أو السلبي من الآخرين، فقد يظنّه البعض من الطاهرين والنافعين والمُصلحين، وقد يُسيء البعضُ الآخر به الظّن، ولن ينفعه هؤلاء ولن يضرّه أولئك.. ! كما يجب على الجمهور، تفهّم الوسيلة الإعلامية بشكل كبير، سيما ما يتعلق بحرصها على تقديم أخبار وتقارير ومواد عاجلة، ما قد تكون له في بعض الأحيان انعكاسات على جودة المادة الإعلامية، أو على جزئيات منها، قد تتعلق بالمصداقية أو بالموضوعية.
مسارات سليمة
ختم د. أبو سويد بقوله: من يستفيدون من التفهّم هم الذين يبحثون عن حقيقة التواصل الإنساني الإيجابي، والباحثين عن تقبّل الذات والآخرين، والذين ينشدون العطاء، والطمأنينة، والتسامح، والتعايش والتكامل، والباحثين عن الحب، والأمل، والمعرفة، والحكمة، والباحثين عن الطمأنينة والأمان النفسي، وكل إنسان ضاقت به الحياة، وتعسّرت به الظروف، وكل من خُذل كثيراً، وما زال الطموح نُصب عينيه..! لكل هؤلاء نقول: التفهّم يعطيكم مسارات سليمة، ويناسب كل من يحاول أن يستعيد نفسه، ونظرته الإيجابية للحياة، ويستوعب ويتعامل مع الآخرين، ويحاول أن يتفهمهم ويتفهّم الحكمة من وجوده وحياته، ولا يكترث كثيراً لإرضاء كل الناس، ويحاول أن يتصالح مع نفسه والآخرين، وهمّه الأساسي رضا الله، ثم رضا الوالدين، ورضا نفسه، ثم السعي، حسب المقدرة والإمكانات، لترك الأثر، وفعل الخير وزرع الأمل، ومساندة الأسرة والأهل ونفع المجتمع.