إعداد: فوّاز الشعّار
لُغتنا العربيةُ، يُسر لا عُسرَ فيها، تتميّز بجمالياتٍ لا حدودَ لها ومفرداتٍ عَذْبةٍ تُخاطب العقلَ والوجدانَ، لتُمتعَ القارئ والمستمعَ، تُحرّك الخيالَ لتحلّقَ بهِ في سَماءِ الفكر المفتوحة على فضاءات مُرصّعةٍ بِدُرَرِ الفِكر والمعرفة. وإيماناً من «الخليج» بدور اللغة العربية الرئيس، في بناء ذائقةٍ ثقافيةٍ رفيعةٍ، نَنْشرُ زاوية أسبوعية تضيءُ على بعضِ أسرارِ لغةِ الضّادِ السّاحِرةِ.
في رحاب أمّ اللغات
المَجازُ العَقْلِيُّ: إِسنادُ الفِعل أَو ما في مَعناه إِلى غَير ما هو لَه، لِعلاقةٍ مع قَرينَةٍ مانِعةٍ مِن الإِسنادِ الحَقيقيّ. وله علاقاتٌ مُختلِفةٌ بِاختلافِ الإِسنادِ: السَّبب في حدوثِهِ والمكان والزمان والمصدر.
السَّبب في حدوثِهِ، كقول أبي الطيّب:
ويَمْشي بِهِ العُكَّازُ في الدَّيْرِ تائِباً
وقَدْ كانَ يَأْبى مَشْيَ أَشْقَرَ أَجْرَدا
العكّاز سَبب المشي، والمجاز يتمثل في إسناد فعل المشي إلى العكّاز، والحال أنه وسيلة.
المكان، كقول التميميّ:
مَلَكْنا فَكانَ العَفْوُ مِنَّا سَجِيَّةً
فَلَمّا مَلَكْتُمْ سالَ بِالدَّمِ أَبْطَحُ
مكان الملك سبّب سيلان الدم فيه.
الزَّمانِ، كقول طَرَفة بن العبد:
سَتُبْدي لَكَ الأَيّامُ ما كُنْتَ جاهِلاً
ويَأْتيكَ بِالأَخْبارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
الأيّام تجسّدت لتظهر الحقائق.
المصْدَر، كقول أبي فراس:
سَيَذْكُرُني قَوْمي إِذا جَدَّ جِدُّهُم
وفي اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ يُفْتَقَدُ البَدْرُ
الجِدّ هو الذي سيكون سبب التذكّر.
دُرَرُ النّظْمِ والنَّثْر
أَصبَحَ القَلْبُ
عمر بن أبي ربيعة
(بحر الخفيف)
أَصبَحَ القَلْبُ قَد صَحا وأَنابا
هَجَرَ اللَّهْوَ والصِّبا والرَّبابا
كُنْتُ أَهوى وِصالَها فَتَجَنَّتْ
ذَنْبَ غَيْري فَما تَمَلُّ العِتابا
فَتَعَزَّيْتُ عَنْ هَواها لِرُشْدي
حِينَ لاحَ القَذالُ مِنّي فَشابا
بَعَثَتْ لِلوِصالِ نَحْوي وقالَتْ
إِنَّ لِلَّهِ دَرَّهُ كَيْفَ تابا
مَنْ رَسولٌ إِلَيهِ يَعلَمُ حَقّاً
أَجْمَعَ اليَوْمَ هِجرَةً واِجْتِنابا
بَعَثَتْ نَحْوَ عاشِقٍ غَيْرِ سالٍ
مَع ثَوابٍ فَلا عَدِمْتُ ثَوابا
بِحَديثٍ فيهِ مَلامٌ لِصَبٍّ
موجَعِ القَلْبِ عاشِقٍ فَأَجابا
فَأَتاها لِلحينِ يَعْدو سَريعاً
وعَصى في هَوى الرَّبابِ الصَّحابا
كُنْتُ أَعْصي النَّصيحَ فيكِ مِنَ الوَج
دِ وأَنْهى الخَليلَ أَنْ يَرْتابا
فابْتُليتُ الغَداةَ مِنهُ بِشَيءٍ
سَلَّ جِسمي وعُدْتُ شَيئاً عُجابا
من أسرار العربية
في تَرْتِيبِ النَّوْمِ: أَوَّلُ النَّوْم: النُّعَاسُ، وهُوَ أَنْ يحْتَاجَ الإنْسانُ إلى النَّوْم. ثُمَّ الوَسَن، وهو ثِقَل النُّعاسِ. ثُمَّ اَلتَّرْنِيقُ: مُخالَطَةَ النُّعاسِ العَيْنَ. ثُمَّ الكَرى والغُمْضُ: أنْ يكون بَيْن النّائمِ واليَقْظانِ. ثُمَّ التَّغْفيقُ: النَّوْمُ، مع سماع الكَلام. ثُمّ الإغْفاءُ: النَّوْمُ الخَفِيفُ. ثُمَّ التَّهْويمُ والغِرارُ، والتَّهْجاعُ: النَّوْمُ القَلِيلُ. ثُمَّ الرُّقادُ: النَّوْمُ الطَّويلُ. ثُمَّ الهُجودُ والهُجوعُ والهُبوغ: النَّوْمُ الغَرقُ. ثُمَّ التَّسْبِيخُ: أَشَدُّ النَّوْمِ.
هفوة وتصويب
يقول بعضهم: «كُلَّما قَرأ كُلَّما اتّسعَ أفقُه».. وهي خطأ لأن كُلّما «ظرف زمان يفيد الشَّرط، ولا يجوز تكرارُها في الجملة. والصواب القول: «كُلَّما قَرأ اتّسعَ أفقُه». يقول امرؤ القيس:
أَلَمْ تَرَياني كُلّما جِئْتُ طارِقاً وَجَدْتُ بِها طيباً وإنْ لَمْ تَطَيَّبِ
ويقولُ آخرون: «طالَما أنتَ تقرأُ فأنْتَ بخَيْرٍ».. والخطأ في استخدام «طالما» لأنّها مكوّنة من الفعل «طالَ» و«ما» الكافّة عن الفاعل، ومعناها: «كثيراً ما»، واستخدامُها في الجملةِ الأولى، لا يتّفِقُ معَ هذا السِّياقِ. والصّوابُ «مادُمْتَ تقرأُ فأنْتَ بخَيْرٍ» قال الشاعِرُ:
أَلا يَا حَماماتِ المَزاهِرِ طَالَما
بَكَيْتُنَّ لَوْ يَرْثِي لَكُنَّ رَحِيمُ
يعني «كثيراً ما بَكَيْتُنّ».
من حكم العرب
ولم أتجنَّبْ وُعورَ الشِّعابِ
ولا كُبَّةَ اللَّهَبِ المُسْتَعِرْ
ومن يَتَجَنّبْ صُعودَ الجِبالِ
يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ
البيتان لأبي القاسم الشابّي، يقول فيهما إنّ من يبتعد عن الأمور التي قد تكون فيها مخاطرة، حتى لو كان فيها علوّ مكانته، فسيبقى حبيس ما هو فيه، ولن يتطوّر.. لأنّ بلوغ المعالي، يتطلّب المغامرة.