هل ستقول في نفسك: كيف تلقّف القلم هذه الفكرة بمجرّد أن أومضت في ذهنك؟ المسألة ليست هكذا، فالأقرب إلى الواقع، هو أن المجموعات البشريّة ذات الهموم المشتركة، تلتقي مشارب تفكيرها عند مصبّات تلك الهموم، فتكتشف الكثير من الأمور، التي ما كان لها أن تكتشفها في شؤون ومشاغل أخرى ليست بالمصيريّة الحاسمة. كأن الناس يتمثّلون في تلك الظروف، بقول جلال الدين الرومي: «أصبّ كلّ همومي في همّ واحد».
بالمناسبة: فقدت الهموم الكثير من قيمتها المعنوية والثقافية، في أدبنا في القرون العشرة الأخيرة. المتنبي رفع الهمّ إلى مرتبة الفكر، الطموح، الإرادة بقوله: «لحا الله ذي الدنيا مناخاً لراكبٍ.. فكلّ بعيد الهمّ فيها معذّبُ». لكأنه شرح المقصود تبسيطاً: «ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ». المعنى المرجعي، وهو الحزن والغمّ، شواهده كثيرة منذ امرئ القيس: «وليلٍ كموج البحر أرخى سدولهُ.. عليّ بأنواع الهموم ليبتلي». أبو الطيب فلسف الهموم، لكن لغة السياسة والدبلوماسية، جعلت الناس يلوكون صباح مساء عبارات من قبيل «المسائل ذات الاهتمام المشترك».
الاستطراد عدوى جاحظية، لكن الحديث ذو شجون في تشابك الشؤون. من ذلك أن الهموم التي انهالت على الفكر في أزمة الإقليم الأخيرة، أثارت قضايا من الضروري إعادة النظر في تناولها وطرحها، على صعيدين: الأمن القومي والإعلام. أمّا الإعلام، فإن القلم لن يأتي بجديد لم يكتبه في هذه الزاوية قبل أكثر من عشر سنوات. لقد قال مراراً، إن الإعلام هو الأضواء الكشّافة التي يرى بها قائد المركبة الطريق، الحفر والمطبّات والمنعرجات والفجاج والمهاوي. يجب أن تكون المصابيح من كل سراج وهّاج، قادرةً على كشف القريب والبعيد، عدساتها من القياسية، الزاوية الواسعة، المقرّبة، إلى المتغيّرة البعد البؤري.
الأزمات، فرصة مفيدة، للعرب جميعاً، في مستويي القمة والقاعدة، لإدراك مدى جودة أداء الإعلام والمحللين، في الميادين ذات العلاقة. تجد القمة والقاعدة، تلقائياً، حاجةً ماسّةً إلى زاوية 180 درجةً، ما يستدعي تنويع مصادر المعلومات والتحليلات، لعقد بانوراما من المقارنات. هنا تدرك القمة والقاعدة معاً، بفحوص طبيب العيون، أن جودة صور الوقائع والأحداث، خصوصاً في الشدائد، تتوقّف على جودة العدسات. عندما تكون العدسات قصيّةً نقيةً واسعةً، والمصابيح كاشفةً مشعةً ساطعةً، فإن شاطئ الأمان لا تحجبه حالكات الليالي.
لزوم ما يلزم. النتيجة الاغتنامية: إعلام الغرب صار، إلا ما ندر، متردياً في النزاهة. بدعم من القمّة، في حرّيات الفكر والرأي والتعبير، والقفزات الابتكاريّة في وسائط الإعلام، يكون الحصان الأبيض بالباب. وقل اعملوا.
قبسات في عدسات الإعلام
28 يونيو 2025 01:00 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 يونيو 01:00 2025
شارك