هل تذكر أنه في أكثر من مرّة من المرات السابقة، أثار القلم ضرورة تعمّق السياسيين العرب في الأبعاد الباثولوجية لما يحدث للعالم العربي؟ السياسة شأن حيّ وحيوي، له أعراضه وأمراضه، فلا يتسنّى للسياسي أن يُجري فحصاً شاملاً، إذا لم يكن خبيراً بعلم الأمراض.
لا قيمة للطبيب إذا كان دماغه مجرّد كتاب فيه توصيف لأعراض الأمراض، وما يناسبها من الوصفات. الطبيب النطاسيّ باقة كفاءات: الباحث والمحقق المتحرّي والاستدلالي والمنقّب. عندما يلاحظ، من خلال الفحص السريري وتحليل مجموعة العيّنات اللازمة، تقارناً وتزامناً غريبين، يبحث عن العوامل الفاعلة ليعرف الأسباب والمسبّبات.
الدول هي الأخرى أشبه ما تكون بالأجسام البيولوجية. الدولة جسم له جهاز عصبي مركزي، جهاز مناعة، عضلات، شرايين إلخ... مجموعة الدول العربية هي أيضاً اجتمعت والغاية تشكيل جسم أكبر وأقدر وأقوى. الفشل هنا: حدّث ولا هرج. لكن المشهد الباثولوجي جدير بالهمّ والغمّ، فالطبيب الماهر غائب أو لا وجود له. وليس للعرب ولا حتى البديل على طريقة الكاتب المسرحي الكوميدي الفرنسي موليير: «الطبيب رغم أنفه».
المتآمرون يصدقون أحياناً، فقد قال أحدهم: «سأجعل الدول العربية تتهاوى كتداعي أحجار الدومينو». قعود العرب عن الفهم، أشدّ مضاضةً من الطعنة المعنوية. السياسي الخبير بأدواء الأحداث يدرك من انكشاف أن انهيار العراق كان بخطة مدبّرة، أن الداء لم يكن من داخل الجسم. وتتالت الأحبولة في ليبيا وسوريا... الطبيب يستنتج أن تعدّد الأسباب في الانهيارات، لا ينفي أن الفاعل واحد، وأن العامل المخرّب في جهاز المناعة، هو الذي جعل الأمراض متتابعةً.
المشهد العام واضح، فلا حاجة إلى أن يُثقل القلم على الفطن اللبيب، لكن يبقى في النفس شيء لا بدّ من البوح به للجيل الصاعد، إن بقي في الأمّة من أمل، فقد أمست كجسم خالد بن الوليد، ليس فيه موضع إلّا وبه طعنة سيف أو شكة سهم. على آمال المستقبل أن يدركوا أن الإحساس بالوطن والأمّة عندما يتراجع أو يضمحلّ، فإن كل رجاء في غد مشرق يتبدّد. تماماً مثلما الجسم، عندما تكثر اختلالات مناعته يتلاشى.
لزوم ما يلزم: النتيجة التفاؤلية: عظمة الأمم هي أنها تكتب وصفة علاجها بنفسها.
