الشارقة: رضا السميحيين

ينتمي الخطاط أمير فلسفي إلى مدرسة إيرانية معاصرة، تعيد تقديم الخط العربي بمنظور تأملي، يزاوج بين الإتقان الكلاسيكي واللمسة الحداثية الهادئة، ويعرف عنه شغفه بإحياء «خط النستعليق» بصيغته الجلية، التي تتطلب تحكماً بصرياً عالي الدقة وقدرة على تنظيم التكوين ضمن مساحة محدودة دون أن يفقد النص تدفقه.

في اللوحة التي بين أيدينا، وبأحرف نسجت بلغة النستعليق الجلي، يرسم الخطاط فلسفي جملة قرآنية تختصر جوهر الرجاء الإلهي في أبهى تجلياته، (لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)، الزمر:53، تنساب فيها حروف الكلمات من اليمين إلى اليسار، كمد روحي حي، حيث تقود العين إلى عمق المعنى دون جهد وتكلف، مستعينة بانحناءات الخط المتناغمة ومساحات البياض التي تحسن الصمت كما تجيد النطق.

يأتي اختيار قلم النستعليق الجلي تحديداً محملاً بدلالات جمالية وثقافية، فهذا الخط الذي يعتبره العديد من الخطاطين والنقاد من أكثر الخطوط الإسلامية «شاعرية»، لما يحمله من رقّة وتناسق بصريين يجعلان منه الوسيط المثالي لعبارات تستدعي التأمل العميق والإيمان الراسخ.

وهو خط تميز بقدرته على حمل المعنى بجمال لا يخلو من المهابة، في هذه اللوحة، يضرب أمير فلسفي مثالاً على تمكنه من أدواته، إذ جاءت الحروف مرتبة بتوازن بصري لا يخل بالمعنى، ولا يثقل العين رغم ضخامة بعض الحروف وتداخلها المقصود، بل يأسرها ويقودها بهدوء عبر طبقات من المعنى والرمز.

*تجليات

كلمة «رحمة» تتوسط العمل بوضوح لافت، وهي جوهر اللوحة، وقد رسمها الخطاط بحجم كبير وخط سميك يلفت الانتباه، تاركاً للعين فرصة التأمل في رونق الكلمة والمعنى، وجاءت «لاتقنطوا» مكتوبة بإنسيابة آسرة بصرياً متخذة من تمايل الحرف امتداداً مدهشاً لحركة أوراق الزخرفة المحيطة بها، لتتمازج بحسب رؤيته الفنية للكتابة مع الزينة البصرية.

جاء نص الآية وسط فسحة محاطة بزخارف نباتية غنية، تدل على وعي جمالي ناضج، واحتفاء بتاريخ طويل من التزاوج بين الحرف والزخرفة في بلاد فارس، بتذهيب يذكر بزخارف المصاحف العثمانية والفارسية على السواء، ويضفي على اللوحة بعداً متحفياً، اتخذت فيه أوراق النبات والزهور التي تخللت الإطار الداخلي جانباً رمزياً للحياة والخصب والرجاء، في انسجام كامل مع مضمون الآية.

الإطار الداخلي والخارجي لا يقل إبداعاً عن الخط في هذه اللوحة، وجاء مزيناً بزخارف أندلسية الطابع، يحيط بالآية كما يحيط القلب بالدعاء، وهو ما يكشف عن ثقافة بصرية عميقة لدى الفنان، تعرف كيف تستدعي تأثيرات العمارة الإسلامية وتجلياتها التزيينية داخل مربع اللوحة الورقية.

يلعب اللون دوراً خفيّاً وفعّالاً في هذه اللوحة، حيث تُبرز الخلفية الهادئة دفء الحروف الداكنة وتفاصيل التذهيب، من دون أن تطغى على التكوين وكل فراغ جاء متعمداً، يتيح لنص اللوحة أن يتنفس، وللعين أن تستقر، وللقلب أن يتلقّى.

*أثر روحي

ما يميز اللوحة أكثر من أي شيء هو ذلك التماسك بين الشكل والمضمون، بين ما يحكى وما يرى، فالكلمات التي تدعو إلى الرجاء والعودة واليقين، تأتي في لوحة لا تشكو من ازدحام أو اضطراب كقصيدة روحانية تتلى على البصر قبل السمع، كل انحناءة في الخط، وانثناءة في ورقة زخرفة، تصب في فكرة أن الجمال طريق إلى الرحمة، وأن الفن قد يكون باباً للفهم والتأمل والإيمان.

تتجاوز هذه اللوحة بعدها الجمالي إلى أثر روحي مباشر، وتسكن الكلمات في أعماق المتلقي، فهي دعوة صامتة إلى الأمل، مرسومة بالذهب، ومحروسة بهالة من البصيرة، يفتح أمير فلسفي نافذة على تقاليد الخط الفارسي العريق، ولكن بروح معاصرة تنتمي إلى العالم، وتخاطب الإنسان في لحظات انكساره، وتدعوه إلى أن يعاود النهوض، مسترشداً بكلمة من نور.

*إضاءة

حصل أمير فلسفي على درجة الماجستير من جمعية الخطوط الإيرانية والشهادة الفنية من الدرجة الأولى المعادلة لدرجة الدكتوراه، ويعمل في مجال الخطوط الفنية المنشورة، وبلغت عدد أعماله أكثر من 50 كتاباً وألبوماً، شارك في أكثر من 350 معرضاً داخل إيران والعشرات من المعارض الخارجية المجمعة، وقام بتنظيم 17 معرضاً فردياً على المستويين المحلي والدولي، شارك أيضاً كمحكم في المهرجان الدولي لفن الخط بالجزائر، وأصدر 4 كتب تعليمية.