إذا كان للحرب التي دارت لمدة 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، المدعومة من الولايات المتحدة، نتيجة واضحة، فهي ترسيخ حالة عدم اليقين العالمية التي تزداد شيوعاً واستفحالاً من أزمة إلى أخرى، ودق إسفين مكين في هيكل النظام الدولي المتداعي، مع ما يصاحب ذلك من كسر للقواعد وانتهاك للمحظورات، واستخفاف بالمبادئ الإنسانية المتوافق عليها منذ عقود.
المواجهة العسكرية التي كانت عالية السقف، وصاحبتها تهديدات عاصفة، وتصريحات غير منضبطة، لم يكن إنجازها بحجم الفقاعة الإعلامية والسياسية التي أحدثتها. ورغم الخسائر التي لا يمكن نكرانها في إيران وإسرائيل، إلا أن الوقف المفاجئ للتصعيد، وبذلك الإخراج الذي رسمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعلانه انتهاء الحرب، وإنقاذ الطرفين من الدمار المتبادل، ثم بمواقفه المتناقضة، وتصريحاته المتقلبة، بين فنون البلاغة والتشبيه والاستعارة والحقيقة والمجاز، يجعل من واقعية الحدث صورة ضبابية وغامضة، والصورة غير مكتملة ومفتوحة، ربما على جولة أخرى من التصعيد، أو صفقة قد تنعقد بعيداً عن أضواء الإعلام والقنوات الدبلوماسية التقليدية.
وبين هذا وذاك، هناك سياسات هلامية تسود في أرجاء العالم، وتتراوح بين التباهي بالقوة وادعاء الضعف والاستخفاف بالحرب واصطناع النصر، وكلها تجليات لأزمات عميقة وثقة منعدمة في القدرة على الفعل أو الكفاءة في الإنجاز.
هذه العناصر المتداخلة والمضطربة، ترسم مشهدية عالمية لا تبعث على الاطمئنان، وإنما تشير إلى أوضاع تزداد تعقيداً في غياب الشفافية بين القوى الإقليمية والدولية واستشراء العداء، وإنتاج الصراعات والخوف من الفراغ. وعلى سبيل المثال، فإن العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، تجاوز ما سمّوه الرد على هجوم السابع من أكتوبر، ليتحول إلى حلقة دموية، لا هدف لها غير سفك دماء الأبرياء من الفلسطينيين، في معركة تمثل سقوطاً مدوياً للقيم والأخلاق والقوانين، يتجسد في الإبادة الجماعية التي تحولت إلى هدف، بعد العجز العسكري عن تحقيق الأهداف المعلنة. والقاعدة ذاتها تنطبق على استهداف إيران الذي كاد يؤدي إلى كارثة غير مسبوقة، لولا التفطن إلى أن التمادي في المعركة سيقود إلى أوضاع خطيرة وانقلاب واسع في المعادلات، وقد يجرّ إلى «أمر جلل» أشار إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريح مقتضب لم يكرره، لكنه أطنب في رسم صورة للنصر، لا يبدو أنها واقعية حتى الآن على الأقل، أو هي جزء من لعبة خداع لم تضع أوزارها بعد.
المؤشرات السائدة تؤكد أن المشهد الدولي يواجه صراعاً محتدماً وحرباً عالمية ثالثة، تدور رحاها عسكرياً في ميادين عدة، منها الشرق الأوسط وأوكرانيا، لكن ذروتها تستقطبها وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي التي توظف آخر مبتكرات التكنولوجيا وأدوات الذكاء الاصطناعي، بل إن المنصات الافتراضية أصبحت منابر لإعلان الحروب وإنهائها، وميداناً للتراشق بين الخصوم، ورسم صور الانتصارات والهزائم. ويبدو أن هذا العالم الافتراضي ليس ترفاً أو عبثاً، بل يعبّر عن واقع عالمي ينهك بعضه بعضاً، لا تثبت فيه المواقف السياسية أو الإنجازات العسكرية، واقع يحجب محركاً خفياً لكل ما يجري من أزمات وصراعات، ويعمل على كسر كل القواعد القديمة، وربما لإعادة بناء النظام الدولي أو انسياق أوسع في المحظور.