مفتاح شعيب
بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطلق إشارت واضحة عن فشل مساعيه لوقف الحرب في أوكرانيا، بتعهده بإرسال المزيد من «الأسلحة الدفاعية» إلى كييف، وحديثه المتكرر عن صلابة الموقف الروسي وعدم تنازله عن أهدافه، لا سيما بعد مكالمة سادسة مع فلاديمير بوتين خرج منها «مستاء جداً».
الحرب الدائرة في أوكرانيا ليست معركة بين رجلين أو دولتين يمكن حسمها بضربة قاضية أو مفاوضات دبلوماسية، وإنما هي مواجهة متعددة الميادين والجبهات، وأقرب إلى حرب عالمية تدور بين مشروعين متناقضين، أولهما غربي يشمل الولايات المتحدة وحلفاءها في «الناتو»، والثاني شرقي تتصدره روسيا وفي الظل توجد الصين وكل الدول المناوئة للسياسات الغربية. ومن سوء حظ أوكرانيا أنها كانت الساحة الأولى للصراع بين المشروعين، قبل أن تنتقل الشرارة إلى الشرق الأوسط، حيث اندلعت مواجهة غير مألوفة لم تحسم في غزة رغم التفوق الصارخ لإسرائيل التي خاضت أيضاً حرباً ضبابية النتائج مع إيران، ولم تصل بعد إلى النصر الذي تتوهمه أو تحلم به.
الوضع في أوكرانيا سيظل إلى وقت طويل ميدان الحسم الأساسي، وإذا أعلن الرئيس الأمريكي فشله نهائياً أو ثبت عجزه عن حل المشكلة التي وعد بإنهائها خلال 24 ساعة، فإن المواجهة ستتسع أكثر على الأرض الأوكرانية، بينما ستحاول كييف إلحاق أكبر أذى بالروس، مع حرص غربي على عدم إثارة موسكو إلى الدرجة التي تعلن فيها الحرب الشاملة وليس الاكتفاء بعملية عسكرية خاصة.
ومما يتضح من التسريبات الدبلوماسية أن الموقفين الروسي والأمريكي يقفان على طرفي نقيض، ولن يستطيع بوتين أن يقدم أي تنازلات تخرجه في صورة المهزوم، وهو الذي اعتبر الأمر تحدياً وطنياً لا يعود منه إلا بالنصر، كما لا يمكنه أن يمنح ترامب مكاسب سياسية ثم اقتصادية بعد توقف الصراع، وتكون الولايات المتحدة ومعسكرها قد حققا انتصاراً استراتيجياً راهنت عليه الإدارة الديمقراطية السابقة، وتريد الإدارة الجمهورية الحالية قطفه بأسلوب مختلف وعبر لعب دور القوة التي تعمل للسلام، وتحت الطاولة ما تحتها من صفقات ومخططات مشبوهة لن تخدم مصالح روسيا والمشروع الذي تنتمي إليه، الداعي إلى تغيير النظام الدولي إلى عالم متعدد الأقطاب.
الحقيقة التي بدأت تصطدم بها إدارة ترامب لم تكن مفاجئة، لأن المقاربة التي قدمتها كانت تصور أن الصراع القائم في أوكرانيا بسيط ويمكن حله باتصالات هاتفية وعبر وسطاء وجولات تفاوضية محدودة، بينما الواقع أنه صراع معقد وجزء من معركة تستقطب أطرافاً عديدة وقوى متنافسة. وإذا كانت الولايات المتحدة تراهن على إبرام اتفاق، ولو مؤقت، يسمح لروسيا بالحفاظ على مكاسبها الميدانية، فإن الدول الأوروبية لن تسمح بذلك، لأنها تخشى من أن يصبح ذلك نموذجاً قد يتكرر في بلدان أخرى مثل مولدافيا أو بولندا، وهو ما قد يفتح الباب إلى إعادة رسم الخرائط الأوروبية التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط يوغسلافيا وتفكك تشيكوسلوفاكيا، وهي دول كانت قائمة، وجرى نسفها وتفكيكها لتسهيل تمدد حلف الناتو وحصار روسيا وجعلها قوة إقليمية لا غير. وهذه الهواجس الأوروبية لها ما يبررها ولا تغيب عن صانع القرار في الكرملين، وقد تكون من الأسباب العميقة للحرب الدائرة في أوكرانيا التي لن تنتهي بسهولة، وقد تتطور إلى صراع لا يمكن تصور عواقبه.
[email protected]