الحسين الزاوي

تصاعد التوتر بين روسيا وأوروبا في الأشهر الأخيرة بشكل غير مسبوق وخارج عمّا هو معتاد من مناوشات سياسية بين الجانبين، وذلك بموازاة تخفيض كبير في منسوب التوتر بين موسكو وواشنطن، ويُبرز ذلك بشكل واضح الجذور التاريخية العميقة للصراع بين روسيا ومعظم العواصم الأوروبية من لندن إلى برلين مروراً بباريس، فعندما يتم الحديث عن المواجهة بين الغرب وروسيا يصعد إلى الواجهة التناقض الصارخ بين مصالح دول تحالف العيون الخمس وموسكو في المقام الأول، وهذا التحالف تقوده بريطانيا وليس الولايات المتحدة لأسباب تاريخية متعددة تجعلها القائد الفعلي للشعوب الناطقة باللغة الإنجليزية.
أما ألمانيا وفرنسا اللتان عادتا إلى تنشيط علاقاتهما مع لندن، فغير مرتاحتين ممّا تصفانه بالسياسة التوسعية للقيادة الروسية الحالية، وتنظران إلى سياستها على أنها تمثل تهديداً لدول الاتحاد الأوروبي برمتها.
هذا التوجّس المتبادل بين روسيا وأوروبا دفع ديمتري مدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي إلى القول إن الاتحاد الأوروبي أضحى العدو الحقيقي لبلاده وتهديده يصل إلى مستوى تهديد الناتو، وأن التحاق أوكرانيا بتكتل الاتحاد في بروكسل يشكّل خطراً على روسيا. وأضاف مدفيديف أن الاتحاد يحلم بالانتقام من روسيا ويبذل جهوداً حثيثة من أجل تسليح أوكرانيا لتجنب سيناريو هزيمتها أمام الجيش الروسي، ويتحوّل بذلك الاتحاد الأوروبي بشكل تدريجي إلى كتلة عسكرية مكتفية بذاتها تتمثل أيديولوجيتها الرئيسية في كراهية روسيا بدعوى وجود تهديد روسي، ويقوم السياسيون الأوروبيون بتدمير فكرة الاتحاد الأوروبي بوصفه عملاقاً اقتصادياً، وبخاصة أن الاتحاد يرسل مدربيه العسكريين لتدريب المسلحين الأوكرانيين بهدف قتل الروس.
ويرى الأوروبيون في الجهة المقابلة أن موقف الرئيس الروسي فلادمير بوتين من أوروبا تطوّر مع مرور الزمن فعندما وصل إلى السلطة سنة 1999، كان ينظر إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه نموذجاً يحتذى به لأنه يمثل قوة «سلمية» وسوقاً كبيرة يمكن الوثوق بها، وسارع في حينها رجال المال الروس إلى تكثيف استثماراتهم في العديد من الدول الأوروبية.
وبدأت النظرة تتغير عندما تحول الاتحاد الأوروبي إلى منافس حقيقي لمشروع الاندماج الروسي الخاص بمنطقة أوراسيا وحينما شرعت بروكسيل في التدخل بشكل تدريجي في أوكرانيا، ومن ثم فإن المشكلة بحسب الأوروبيين لا تكمن بالنسبة للروس في انضمام كييف إلى حلف الناتو ولكن في دخولها إلى الاتحاد الأوروبي، لأن من شأن ذلك أن يشكّل منافسة قوية لروسيا في منطقة قريبة منها ضمن فضاء يحمل قيماً مختلفة تهدّد الهوية الروسية وقد تؤدي هذه الوضعية إلى زعزعة استقرار المجتمع الروسي وإلى دفع شبابه إلى الافتتان بنمط العيش الأوروبي.
وعليه فإن النخب الروسية منقسمة، كما يرى بعض المحللين، بين شعورين متناقضين، الإعجاب بالاتحاد كقوة اقتصادية من جهة، واحتقار ضعفها الجيوسياسي الذي تحاول التغطية عليه من خلال ادعاء قدرتها على لعب دور جيوسياسي بوصفها ذراع الغرب الجماعي في مواجهة النفوذ الروسي من جهة أخرى.
ولهذه الأسباب كلها فإن روسيا مثلها في ذلك مثل الصين تفضّل التعامل مع الدول الأوروبية ككيانات قومية منفصلة وليس ككتلة موحّدة قادرة على ترجمة قوتها الاقتصادية إلى مكاسب جيوسياسية، وبالتالي فإن بوتين يبدي احترامه للدول القومية مثل فرنسا وألمانيا، التي عليها أن تأخذ في الحسبان – بحسبه - مصالحها الوطنية، ويرفض بناءً على ذلك الرضوخ لشروط بروكسل التي تنفّذ أجندات لا تخدم مصالح الدول الوطنية.
ومن الواضح أن الشعور الأوروبي بما يوصف بالخطر الروسي يتزايد بشكل لافت للنظر، فقد أكد الرئيس الفرنسي ماكرون بتاريخ 20 فبراير/ شباط الماضي أن بلاده ليست جزيرة وأن منطقة الألزاس الفرنسية ليست بعيدة جداً عن الدونباس، أين تدور رحى المعارك بين الروس والأوكرانيين.
وعاد ماكرون للحديث عن التهديد الروسي أمام نواب البرلمان البريطاني بغرفتيه يوم الثلاثاء 8 يوليو/ تموز الجاري، مؤكّداً، على وقع تصفيقات النواب البريطانيين، بأن أوروبا لن تتخلى أبداً عن أوكرانيا لأن الرهان متعلق بأمن أوروبا وبمبادئها وبإمكانية عيشها في سلام، داعياً في السياق نفسه إلى التحالف بين بلاده والمملكة المتحدة للدفاع عن النظام الدولي الذي جرى وضع أسسه بعد الحرب العالمية الثانية.
ويمكن القول عطفاً على ما تقدم أن أوروبا بقيادة بريطانيا وفرنسا، فضلاً عن ألمانيا القادرة على إنتاج الأسلحة النووية في غضون أشهر، عازمة على مواجهة ما تصفه بالتهديدات الروسية، وقد وضعت من أجل تحقيق أهدافها الجيوسياسية كل الموارد والإمكانات التي من شأنها إعادة تسليح الجيوش الأوروبية، ويبدو أن التطورات الراهنة لها صلة مباشرة بالخلفيات التاريخية للصراع بين أحفاد الإمبراطوريات الأوروبية، ومن غير المستبعد أن تتم في مرحلة لاحقة دعوة تركيا لدعم أحد طرفي الصراع، ولا أحد يعلم حتى الآن ما إذا كانت أنقرة قادرة على اقتناص الفرصة واستخلاص دروس الماضي للمساهمة في تأسيس عالم جديد متعدّد الأقطاب.

[email protected]