الحسين الزاوي
يُجمع المراقبون على أن العالم يعيش مرحلة مفصلية في تاريخه المعاصر، سيكون لها ما بعدها وستحدّد وجهة الأحداث في الشرق الأوسط، ومسار العلاقات الإقليمية والدولية خلال العقود المقبلة، إذ إن الحرب الحالية في الشرق الأوسط تطرح أسئلة جيوسياسية عميقة تتجاوز القراءات السريعة التي يستدعيها منطق الراهن والتطورات المتسارعة، التي كثيراً ما تفرض على المتابعين استخلاص نتائج أو بلورة قراءات لا تأخذ في الحسبان تعقيدات الواقع الذي يخضع لتفاعلات داخلية وخارجية لا تتحكم فيها القوى العالمية الكبرى فقط، ولكن يلعب فيها الفاعلون الاجتماعيون دوراً حاسماً يتجاوز منطق العلاقات الدولية، وفقاً لما يؤكده برتراند بادي.
يرى الباحث لويز دو بومبلون، أن استخدام المسيّرات والصواريخ الدقيقة واللجوء إلى التصفيات الموجهة في سياق عمليات قطع الرؤوس في إيران، تخفي وراء ما يبدو أنه فاعلية تكتيكية واضحة، وهماً استراتيجياً، لأن النظام في إيران يمثّل هرمية مؤسساتية مكوّنة بشكل مقصود من أجل بقاء النظام السياسي بمعزل عن قيادته، وبالتالي لا يجب الخلط في رأيه بين الضرر الذي يتم إلحاقه بالخصم وبين التحوّلات التي يخضع لها النظام نفسه، لأن ذلك يؤدي إلى استبدال الرؤية الاستراتيجية لمسار الأحداث بالدقة التكنولوجية.
ويضيف الباحث أن الاستراتيجية القائمة على قطع رؤوس قيادات الخصوم ليست ابتكاراً خاصاً بعصر المسيّرات، إنها ممارسة تعبُر التاريخ العسكري منذ زمن طويل، وقد وجدت صياغتها النظرية الأكثر انضباطاً مع كارل فون كلاوزفيتز ورؤيته المتعلقة بمركز الثقل التي تدعو إلى ضرب النقطة المحورية التي تتركز حولها قدرة المقاومة لدى العدو، والحال أنه في سياق التقليد العسكري الغربي خلال القرن العشرين كثيراً ما كان يتمّ اختصار مركز الثقل بنوع من الاختزال العملياتي، في شخصية القائد. وهذا الاختزال الذي يحمل طابع الشخصنة يغفل حقائق من بينها أن الأنظمة المُغلقة لا تستند إلى سلطة الفرد، ولكن على جهاز بيروقراطي وأيديولوجي يتميّز باستقلالية فائقة.
هناك إذاً حاجة ماسة إلى التوظيف الدقيق للرؤية الاستراتيجية، إذ إن المقاربة الاستراتيجية، بحسب فريدريك إنسل، تنخرط بالضرورة في سياق عقلاني: يمكنها أن تبدو في بعض الأحيان خاطئة جبانة أو متردِّدة، وربما متهوّرة، ولكنها ليست منزوية في ركن سحري من الفكر أو في غطرسة عاطفية. ومع ذلك فإنه لا يجب تضخيم هذه المقاربة، من منطلق أن الأشياء كلها ليست مؤهلة لكي تحمل بعداً استراتيجياً، نعم كل استراتيجية تسعى إلى تحقيق هدف معيّن، ولكن كثيراً ما نجد بعض المعلّقين يخلطون بين الاستراتيجية والهدف.
وبالتالي فإنه ومع تضخم المعنى اللغوي للاستراتيجية، كما يقول أوبير فيدرين، فإن اللفظ صار يشير إلى كل مجموعة من النشاطات المنسّقة بغرض تحقيق هدف محدّد في أي مجال من المجالات، وهذا قد يبدو بديهياً، ولكن ليس كل من يريد أن يكون استراتيجياً يمكنه أن يكون مؤهلاً للعب مثل هذا الدور.
وإذا كان العمل العسكري الأمريكي المرتبط بالضربات الجوية الدقيقة يخضع لمنطق محاربة الإرهاب الذي يعود إلى بداية الألفية الجديدة والهادف إلى تحييد الدائرة العملياتية للتنظيمات المعادية بغرض تمهيد مسرح العمليات وحماية القوات التي يمكن إرسالها إلى أرض المعركة، يهدف في الغالب إلى بث الاضطراب والفوضى في صفوف العدو، فإن المقاربة الإسرائيلية تعتمد على تسريع التدهور والانحطاط في بنية الخصم لمنعه من التطور وإبقائه في حالة هشاشة دائمة تجعله قابلاً للانهيار في أي لحظة.
تركّز كل المقاربات التي أتينا على ذكرها على الدول، وكأنها الفاعل الوحيد في المعادلة، بينما تستحضر الرؤية الاستراتيجية الشاملة، الدور الأساسي الذي يمكن أن تلعبه المجتمعات في ديناميكيات التحول، فالمجتمعات أضحت تؤثر في السياسة الدولية عبر آليات من أبرزها: الرأي العام العالمي، والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية، وشبكات التضامن العابرة للحدود. وعليه فإنه وبصرف النظر عن مآلات الحرب الحالية ستظل الدقة التكنولوجية غير كافية وحدَها لمنع مزيد من التدهور في الشرق الأوسط، ولن تسهم بشكل فعّال في إنقاذ الاقتصاد العالمي من شبح الركود، وسيكون للرأي العام العالمي كلمته القوية بشأن المغامرات السياسية التي تهدّد أمن واستقرار العالم.
