بينما تتواصل حرب الإبادة والتجويع الإسرائيلية على أشدها في قطاع غزة، يستمر التلاعب بعواطف المنكوبين من خلال التصريحات التي تتحدث تارة عن تعثر مفاوضات الهدنة وطوراً عن تقدمها وقرب التوصل إلى اتفاق، مع استمرار سقوط عشرات الضحايا يومياً بفعل القصف، ونقص الماء والغذاء والدواء ليرتسم مشهد فاجعة إنسانية لا تطاق.
منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن «جهود رائعة» للإفراج عن الرهائن الإسرائيليين ووقف إطلاق النار، دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل يعتد بها. وفي آخر تصريح له، قال، وهو يجلس إلى مائدة عشاء فاخرة في البيت الأبيض، إن 10 رهائن إضافيين سيُفرج عنهم قريباً من قطاع غزة، لكنه لم يتحدث عن الجياع من الأطفال والنساء الذين يموتون يومياً بفعل منع دخول المساعدات الإنسانية وإنقاذ ما يجب إنقاذه، فهؤلاء الناس، وهم أكثر من مليوني إنسان أولى بالإفراج عنهم من براثن هذه المأساة المدوية والمسارعة بإغاثتهم حتى يكون لأي اتفاق مرتقب معنى وقيمة. أما النظرة القاصرة إلى هذا الواقع فتعني أن النوايا ليست صادقة. ومثلما من حق الرهائن الإسرائيليين الخروج من الأسر، من حق آلاف المعتقلين الفلسطينيين أيضاً معانقة الحرية، وقبل هذا وذاك، فإن الواجب الإنساني يفرض وقف الكارثة التي حلت بقطاع غزة بإنهاء هذه الحرب غير المسبوقة، ومد أسباب الحياة والنجاة إلى كل الفلسطينيين الخاضعين لحصار مشدد منذ 21 شهراً.
مشاهد الجياع الصادمة من قطاع غزة، وصور الأطفال الذين أنهكهم سوء التغذية ونقص الدواء، أبلغ شهادة على الأوضاع القاسية التي يعانيها المدنيون، ويفترض أنها كافية لممارسة أقصى الضغوط على إسرائيل لكف عدوانها وإجبارها على الخضوع لمقتضيات القانون الدولي والاستجابة إلى النداءات العربية والدولية، وتسهيل مبادرات الإغاثة الإنسانية التي تتوالى من جهات عدة. وها هي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» تؤكد أن لديها مخزوناً غذائياً كافياً لتغطية احتياجات جميع سكان قطاع غزة لأكثر من ثلاثة أشهر، إلا أن هذه الإمدادات الغذائية مكدسة في المستودعات بمدينة العريش المصرية بانتظار موافقة إسرائيل التي أحكمت حصارها على القطاع وسدت كل المعابر المؤدية إليه.
الفلسطينيون في غزة لم يعودوا يتحملون مزيداً من الأذى والعدوان، فقد انتهى كل شيء تقريباً، إلا الموت الجماعي الذي يخطف العشرات يومياً دون أدنى رحمة، وكأن أولئك الناس ليسوا من الآدميين الذين يستحقون الرحمة أسوة بكل الكائنات الحية. وإذا كانت هناك بقية من ضمير دولي وغيرة حقة على الإنسانية، فيجب أن تتوقف هذه الحرب فوراً، وقد فعل الرئيس الأمريكي ذلك عندما أنهى الحرب بين إيران وإسرائيل، وقبلها بين الهند وباكستان، وتدخلت إدارته أيضاً لإيجاد تسوية في فتنة السويداء السورية، وإذا توفرت الإرادة وتحررت من الحسابات، فبالإمكان وقف هذه الحرب على غزة وإنهاء الانتهاكات الجسيمة في الضفة الغربية، وإنقاذ المنطقة برمتها من أتون صراعات مدمرة. وربما سيكون لوقف العدوان على غزة وإغاثة أهلها تحول كبير يمكن أن يؤسس لمرحلة تاريخية من الأمن والاستقرار تمتد من هذه المنطقة إلى بقية العالم.
إنقاذ غزة واجب إنساني
20 يوليو 2025 00:01 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 يوليو 00:01 2025
شارك