ماساكي يوشيموري*
بلغ الدين العام العالمي مستويات غير مسبوقة، ومن المتوقع أن يتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحلول عام 2030، تماشياً مع ارتفاع أسعار الفائدة، وتقلص الحيز المالي الذي يُفاقم المخاطر، وفقاً لصندوق النقد الدولي.
إلا أن المشكلة المالية الأكبر التي تُهدد الاستقرار والتنمية والإنصاف، تكمن بالضبابية المتزايدة التي تحيط أدوات الدين، ما يعيق المساءلة والاستجابة للأزمات. لذا، يجب على الحكومات، وخاصة في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، تعزيز شفافية الدين بشكل عاجل، من خلال الإصلاح القانوني والضمانات المؤسسية والتعاون الدولي.
وبحسب تقرير «الراصد المالي 2025» الصادر عن صندوق النقد الدولي، ارتفع الدين العام العالمي بمقدار 7.5 تريليون دولار، في الربع الأول من العام الجاري، مدفوعاً بأرقام الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء. ويعكس هذا الارتفاع زيادة الاقتراض بالدولار، ونفقات الدفاع، والدعم الصناعي، والتحويلات الاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، تواصل الاقتصادات المتقدمة مثل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة التوسع المالي، على الرغم من مستويات الديون المرتفعة أصلاً. ومن المتوقع أن يصل الدين الفيدرالي الأمريكي إلى 117% من الناتج المحلي الإجمالي، بحلول عام 2034.
ولا يمكن تطبيق آلية عمل الدين العام على دين الأسر، فالحكومات غالباً ما تقترض بحرية أكبر، لكن هذه المرونة لها حدود. وعلى سبيل المثال، تواجه المملكة المتحدة ما يسميه المستثمر الملياردير راي داليو «دوامة ديون مميتة» وشيكة، بسبب ارتفاع تكاليف الفائدة وتباطؤ عائدات الضرائب، الأمر الذي يجعل حتى الدول الغنية نفسها في وضع مالي ضيق.
في غضون ذلك، لم يعد جزء كبير من هذا الاقتراض، يُدرج في إحصاءات الديون التقليدية. إذ تلجأ الحكومات بشكل متزايد إلى أدوات متعددة لتلبية احتياجاتها المالية، مثل الالتزامات الطارئة، التي قد تنشأ بناءً على نتائج حدث مستقبلي غير متوقع، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وهي ترتيبات تعاقدية بين الهيئات العامة والكيانات الخاصة، تُمكّن من زيادة مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ المشاريع، والشركات المملوكة للدولة، وهي كيانات قانونية تملكها الحكومات وتديرها للاستخدام التجاري، إضافة إلى الضمانات الحكومية، وهي اتفاقيات بين المؤسسات المالية والحكومات تتحمل بموجبها الأخيرة مخاطر ديون الأولى.
وعلى الرغم من الأزمات المتكررة، لا يزال التقدم في شفافية الديون متفاوتاً. ولا تزال العديد من الاقتصادات الناشئة والنامية تفتقر إلى الإفصاح الكامل عن المخاطر المتعلقة بالديون. وقد وجدت مراجعة لصندوق النقد الدولي في فبراير/شباط 2024 أن أقل من نصف الدول ال 85، التي شملها الاستطلاع لديها متطلبات قانونية، تُلزم بالإبلاغ الشامل عن الديون. وحتى في الحالات التي توجد فيها قوانين، فإنها غالباً ما تستبعد العمليات شبه المالية والالتزامات الطارئة.
صحيح أن الإصلاح القانوني وحده لن يحل الأزمة، لكن وجود أساس قانوني ضروري للمساءلة المالية. كحد أدنى، ينبغي أن تُحدد التشريعات الوطنية بوضوح ماهية الدين العام، وأن تُحدد الجهات التي تتمتع بسلطة الاقتراض، وأن تضع متطلبات إلزامية للإفصاح والتدقيق. ومن الأهمية بمكان أيضاً، أن تُمكّن الحكومات المؤسسات المستقلة، مثل هيئات الرقابة العليا والمجالس المالية، من تقييم عمليات الدين وتحديد المخاطر. ويجب نشر نتائجها. فبدون هذه الآليات، يمكن أن يزدهر سوء الإدارة المالية، تحت ستار من التعقيد التقني.
ومع ذلك، يجب أن تكون الإصلاحات واقعية. ففي البيئات الهشة أو محدودة القدرات، ينبغي أن ينصب التركيز على الحد الأدنى من الضمانات القانونية والمؤسسية، بدعم من الشركاء الدوليين. وليس الهدف هو تحقيق شفافية تامة بين عشية وضحاها، بل بناء أساسٍ يمكن أن تنبثق منه الثقة والمرونة.
وأظهرت للاقتصاديين كارمن راينهارت وكينيث روجوف، أنه عندما يتجاوز الدين العام 90% من الناتج المحلي الإجمالي، يتباطأ النمو، وترتفع تكاليف الاقتراض، وتزداد مخاطر الأزمات. وسلطت الدراسة الضوء على ظاهرة «إنكار الديون»، حيث تُقلل الحكومات من شأن الالتزامات، أو تؤجل التعديلات حتى تُجبرها الأسواق على ذلك. وحذّرت من عودة القمع المالي، المتمثل بأسعار فائدة منخفضة بشكل مصطنع، وضوابط رأس المال غير تقليدية، وضغوط تنظيمية على البنوك للاحتفاظ بالدين العام.
في نهاية المطاف، ليست الشفافية والوضوح القانوني مجرد مخاوف تقنية، بل هما أساسٌ للمرونة المالية وثقة الجمهور. وفي عصرٍ يتسم بالشعبوية الاقتصادية والتنافس الجيوسياسي والصدمات البيئية، يجب أن تصبح المالية العامة مصدراً للطمأنينة، لا للشك.
وبالنسبة للدول التي تعاني من ضائقة مالية، يجب أن تكون إعادة هيكلة الديون شاملةً وفي الوقت المناسب، فالتدابير الجزئية لا تؤدي إلا إلى إطالة أمد الركود الاقتصادي وإضعاف الانتعاش.
*خبير اقتصادي وزميل سابق في معهد جيمس بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس في هيوستن
(فير أوبزيرفر)