بدأ هاروكي موراكامي في كتابة المقالات التي ضمها هذا الكتاب تحت عنوان «مهنتي هي الرواية» (ترجمة أحمد حسن المعيني) وصدرت في كتاب باليابان عام 2015 وظهرت الترجمة الإنجليزية عام 2022.


يؤكد موراكامي أنه يشعر بشيء من الحرج حين يتحدث عن نفسه وعن تجربته في كتابة الرواية، إذ تتملكه رغبة قوية في العزوف عن شرح رواياته للآخرين ذلك أن حديثه عن كتبه يبدو دائماً نوعاً من الاعتذار أو التفاخر أو ما يشبه التبرير.


يرى موراكامي أن الكلام عن الروايات فضفاض، لذلك يتطرق في بداية حديثه إلى الروائيين، ومعظمهم – كما يوضح – ليسوا من الصنف الذي يمكن أن نسميه ودوداً أو منصفاً، على أن هناك استثناءات، ولا هم من الصنف الذي قد يعده الناس قدوة حسنة، ذلك أن لهم سجايا تبعدهم عن المألوف وأسلوب عيش وسلوك لا يخلو من غرابة.


جميعهم تقريباً يضمرون افتراضاً مفاده أن «أسلوبي صحيح وجميع الكتاب الآخرين تقريباً على خطأ» ولا أحد يحبذ الاقتراب من أشخاص لهم هذه الخصال، لا بوصفهم جيراناً ولا أصدقاء، وحين يسمع عن صداقة بين كاتبين، ينتابه شيء من التحفظ، الصداقة الحميمية لا يكتب لها عمر طويل، فالكتاب في أساسهم سلالة أنوية، شديدة التنافس والاعتداد بنفسها، فما أن تضع كاتبين في مكان واحد حتى تخرج خائب الأمل.

 

*واقعة


يضرب موراكامي مثالاً على ذلك بالعشاء الذي جمع مارسيل بروست وجيمس جويس في باريس عام 1922 فقد تعمد المنظمون أن يجلس الكاتبان متقاربين، فحبس الجميع أنفاسهم في انتظار الحوار الذي سيدور بينهما، غير أن آمال الجميع تحطمت، فلم يكد يتحدث أحدهما إلى الآخر، حتى قام بينهما حاجز هائل لم يستطع أي منهما أن يتجاوزه.


يشير موراكامي إلى أنه أفنى ثلاثين عاماً في نشر ترجمات من الأدب الأمريكي، لكن المترجمين المحترفين «نتفوا ريشي في البدايات وربما إلى يومنا هذا» قال بعضهم: «الترجمة الأدبية ليست للهواة والكاتب الذي يحاول التجريب في الترجمة مجرد تشويش» وحين نشر كتاب «المترو» ( كتاب أصدره باليابانية عام 1997 حول حادثة الهجمة الإرهابية الشهيرة التي وقعت في مترو الأنفاق بطوكيو عام 1995) لاقى نقداً شرساً من طبقة كتاب النصوص غير التخييلية، قال بعضهم: «هذا جهل بالقواعد الأساسية للكتابة غير التخييلية» وقال آخرون: «مجرد كتاب آخر من تلك التي تحاول استدرار الدموع» و«هذه كتابة هواة لا أكثر».


يقول ساخراً: «حاولت أن أكتب نصاً لا يتقيد بأي من التصنيفات التي تربط بالمادة غير التخييلية، غير أني كما يبدو دست على ذيول نمور لحرس الحرم المقدس للكتابة غير التخييلية، فغضبت، أذهلني هذا الأمر وقتها فلم أكن أدرك أنهم موجودون، ولم أكن أعرف أن هنالك قواعد صارمة تحكم هذا النوع من الكتابة».

*قدرات


حين تظهر رواية بقلم مطرب أو فنان أو مترجم ماذا يحدث؟ هل يلوي الروائيون وجوههم؟ يرى موراكامي أن الروائيين يتنابذون في ما بينهم، ويعفون بألسنتهم عن الروايات الأولى في الغرف المغلقة. للروائيين عيوب شتى والسائد بينهم أنهم يرحبون بالقادم إلى ساحتهم ويكرمون وفادته، لماذا؟ لأن ما يميز الرواية عن غيرها – كما يرى موراكامي - هو قدرة أي شخص على كتابة رواية، إن عقد العزم على ذلك، عازف البيانو أو راقصة الباليه يحتاجان إلى تدريب شاق يبدأ في سن مبكرة إلى أن يصبحا جاهزين للعرض الأول، والفنان لابد أن يمتلك شيئاً من المعرفة والمهارات الأساسية، ومن يتسلق الجبال لا بد له من قدر هائل من القوة البدنية والتدريب والإقدام.


أما الروائي الطموح فلا يحتاج إلا إلى معرفة أساسية بالكتابة، وهذا متوفر عند أغلب الناس، وقلم وأوراق وقدرة على اختلاق قصة، يمكن تطويرها إلى ما يشبه الرواية ولا ضرورة أن يحصل على شهادة جامعية في الأدب، قد يتيسر لكاتب مبتدئ أن يكتب رواية جيدة بربع موهبة.


يقول إنه شخصياً لم يتلق أي تدريب على الكتابة، وقد أطلق شعره ولحيته وهام هنا وهناك بثياب غير نظيفة، ولم يخطط لأن يصبح كاتباً «إلى أن لدغتني الحشرة ذات يوم وكتبت روايتي الأولى «اسمع الريح تغني» هذا إن سميناها رواية أصلاً» وفازت الرواية بجائزة وبعد ذلك واصل موراكامي طريقه حتى أصبح كاتباً محترفاً، من دون أن يضطر إلى دراسة هذه الحرفة.

*حلبة مصارعة


عالم الروائيين أشبه بحلبة مصارعة، ترحب بأي شخص يرغب في التجربة، وقد يكون من السهل أن تدخل الحلبة لكن البقاء فيها صعب، فليس من الصعب أن تكتب رواية أواثنتين غير أن استمرارك في الإنتاج والعيش من كتابتك والبقاء في هذا العالم مسألة أخرى تماماً، ومن يود إنجاز هذه المهمة، يحتاج إلى شيء خاص، الموهبة مهمة وركيزة أساسية، غير أن المرء يحتاج إلى شيء آخر، ظل موراكامي يلف ويدور دون أن يذكره.