حسن إبراهيم العيسى النعيمي
بين تحولات العالم وحاجة العرب إلى مشروع حضاري: في هذا المنعطف المصيري الذي يشهده العالم، حيث تُعاد صياغة موازين القوى وتُهدم نماذج وتُبنى أخرى، يجد العرب أنفسهم على مفترق طرق، إما أن يكونوا جزءاً فاعلاً في هذا التشكيل العالمي الجديد، أو أن يبقوا في هامش التاريخ متفرجين، يُدار مستقبلهم بأيدي الآخرين.
وإذا كان المشروع الفكري الذي حمل عنوان «فكر النهضة الجامعة» قد وضع الأساس الأيديولوجي لوحدة العرب والمسلمين حول منظومة فكرية متكاملة، فإن الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة البناء العملي عبر مشروع حضاري متكامل، يتسق مع تلك الرؤية ويترجمها إلى مؤسسات واستراتيجيات.
ولأن المشروع الحضاري ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية، فإن تبنّيه في هذا التوقيت بالذات يمنح العرب فرصة تاريخية لوضع بصمتهم الخاصة في النظام العالمي القادم ويمنع تكرار الإقصاء الذي عاشوه خلال القرون الماضية، حين صاغ الآخرون العالم وخرائطه ومفاهيمه دونهم.
مركز دراسات الفكر العربي الإسلامي المعاصر-الإطار المؤسسي المقترح: لكي لا يبقى هذا المشروع مجرد طموح نخبوي، فإن من الضروري أن يُسند إلى مؤسسة عربية رسمية تحمل المصداقية والشرعية، وتملك أدوات التواصل مع الحكومات والمجتمعات.
ولذلك يُقترح أن تحتضنه جامعة الدول العربية من خلال إنشاء كيان متخصص تحت اسم «مركز دراسات الفكر العربي الإسلامي المعاصر»، المقترح أن تحتضنه دولة الإمارات العربية المتحدة، هذا المركز لا يكون مجرد هيئة بحثية، بل مختبراً حضارياً يعمل على إعادة بناء المنظومة الفكرية والاقتصادية والثقافية للأمة، بما يلائم تحديات العصر ويسهم في صياغة نموذج عالمي أكثر توازناً وعدالة.
* أولًا: الشق الفكري إعادة قراءة الإسلام في ضوء معطيات العصر: يقترح أن يُشكل المركز لجنة علمية من الأزهر الشريف ومن نخبة مفكري المغرب العربي، نظراً لما يجمع بين هاتين المدرستين من رصانة شرعية وعمق فكري وانفتاح حضاري.
مهام اللجنة:
* إعداد دراسة استراتيجية تعيد قراءة الإسلام بعيداً عن الجمود الفقهي والتسييس المذهبي.
* تقديم الإسلام للعالم كمنظومة قيمية وأخلاقية شاملة تعالج أمراض العصر: الفردانية المفرطة، الانتحار الروحي، انهيار الأسرة، توحش الرأسمالية وهيمنة النزعة المادية.
* صياغة رؤية فلسفية-اجتماعية تستند إلى مقاصد الشريعة وتكون قادرة على تقديم إجابات حضارية لأسئلة الإنسانية اليوم.
* ثانياً: الشق الاقتصادي- بلورة نموذج الاقتصاد الإسلامي العصري يتولى المركز في شقه الثاني إعداد دراسة شاملة حول النموذج الاقتصادي الإسلامي العصري، ليس كبديل رومانسي للرأسمالية، بل كنظام واقعي متدرج يجمع بين العدالة والفعالية.
ويقترح أن تتشكل لجنة علمية من نخبة الباحثين في الجامعات الإماراتية بالتعاون مع:
* جامعات ماليزية، لما لها من تجربة ناجحة في الدمج بين الاقتصاد الإسلامي وآليات السوق.
* جامعات بريطانية، نظراً لتقدمها في مجال الدراسات المالية الإسلامية وإدماجها في النظام المصرفي الغربي.
أهداف اللجنة:
* تطوير نموذج اقتصادي إسلامي قابل للتطبيق يراعي البيئة العالمية المعاصرة.
* طرح بدائل للنظام الربوي والاحتكار المالي والاقتصاد الافتراضي المدمر للعدالة الاجتماعية.
* تقديم رؤية للعالم عن اقتصاد يُعلي قيمة الإنسان ويوازن بين الربح والمسؤولية.
ثالثاً: الشق التنموي- التنمية كقاطرة للنهضة الحضارية لا يمكن لأي مشروع حضاري أن ينهض على أساس فكري أو ثقافي فقط، ما لم يُدعَّم برؤية تنموية متكاملة تُعالج التفاوتات، وتؤسس لتعاون اقتصادي فعّال بين الدول العربية والإسلامية، فالتنمية ليست فقط أداة لتأمين الاحتياجات المادية، بل هي رافعة للاستقرار ومصدر لتعزيز السيادة الوطنية ومدخل لبناء الإنسان القادر على الإبداع والمشاركة.
وفي هذا الإطار، يتطلب المشروع الحضاري العربي دعم المشروعات التنموية الاستراتيجية الكبرى وتوزيعها بشكل تكاملي ومدروس بين الدول العربية والإسلامية، بحيث يتم استثمار الميزات النسبية لكل دولة لصالح الجميع، من خلال رؤية تشاركية قائمة على العدالة والكفاءة والتكامل لا التنافس.
ومن أجل تحقيق ذلك، نقترح إنشاء «صندوق التنمية العربية الإسلامية» تحت مظلة جامعة الدول العربية، ليكون أداة تمويل فعالة للمشروعات التنموية المشتركة ووسيلة لتقليص الفجوات التنموية بين الدول الأعضاء ويُقترح أن تحتضن المملكة العربية السعودية هذا الصندوق نظراً لمكانتها المركزية وقدراتها الاقتصادية والرمزية، مع انفتاحه على الشراكات مع مؤسسات تمويل إسلامية وعالمية.
إن هذا التوجه التنموي لا يدعم فقط المشروع الحضاري المنشود، بل يؤسس لواقع اقتصادي عربي إسلامي أكثر استقراراً واستقلالية ويعيد للعالم العربي والإسلامي مكانته كفاعل مؤثر في الاقتصاد العالمي.
خاتمة: من الفكرة إلى المشروع.. ومن المشروع إلى النهضة إن مشروع النهضة العربية الإسلامية ليس مجرد ردة فعل حضارية، بل تعبير عن إدراك متأخر ولكنه واعٍ بأن نهضة العرب لا يمكن أن تتم عبر استنساخ النماذج الغربية أو الركون إلى الماضي، بل عبر إبداع مشروعهم الخاص الذي يستلهم تراثهم ويخاطب عالمهم.
إن مركز دراسات الفكر العربي الإسلامي المعاصر يمثل الآلية الواقعية لتجسيد هذا الحلم الكبير وتحويله إلى خطة عمل وعبره يمكن للعرب أن يستأنفوا دورهم في التاريخ، لا كمتلقين أو مفعول بهم، بل كفاعلين وشركاء في صياغة مستقبل البشرية.