فاجأ طلاب المدارس الثانوية فرنسا وربما أوروبا من ورائها بحركة احتجاجية واسعة مع بداية الفصل الدراسي للعام الحالي، إذ إن الحركة التي بدأت بآلاف الطلاب استقطبت مئات الآلاف خلال ثلاثة أسابيع، وتحولت من احتجاج طلابي كان يمكن أن يقف عند حدود الاحتجاجات المألوفة في بلد مثل فرنسا، تكثر فيه الاحتجاجات المطلبية، إلى حركة واسعة، دخلت على خطّها النقابات والأحزاب، وباتت سبباً للتراشق السياسي بين القوى الأساسية على الساحة الفرنسية، وخصوصاً الأحزاب الكبرى، التي تعد الأقوى من حيث التنافس البرلماني والرئاسي.
لم تمضِ أيام قليلة على الاحتجاجات، التي تحولت إلى ساحة معارك ومواجهة مع الشرطة، وهي مواجهة لم تخلُ من عنف، حتى بدأت بعض المقارنات تظهر بين الحركة الاحتجاجية الحالية وبين انتفاضة الطلاب في مايو/ أيار من العام 1968، خصوصاً لجهة التأكيد على حيوية المناخ الطلابي الفرنسي، والذي ما زال مناخاً سياسياً بامتياز، متفاعلاً مع كل ما يجري من سياسات ونقاشات في الجمهورية الفرنسية.
اللافت في المقارنات وجود اليسار في صلبها، ففي انتفاضة 1968 كان اليسار بمثقفيه وسياسييه داعماً للحركة، فقد انخرط حينها كبار الفلاسفة والأكاديميين في انتفاضة الطلاب، بما في ذلك المشاركة المباشرة، ومن بين أهم الأسماء الفيلسوف والأديب الوجودي جان بول سارتر، والكاتبة والناشطة النسوية سيمون دوبوفوار، وهنري لوفيفر، الفيلسوف وعالم الاجتماع الماركسي، والمفكر موريس بلانشو، الذي شارك بشكل مباشر في التظاهرات، وأسماء أخرى كثيرة، وفي الحركة الاحتجاجية الحالية، فإن أصابع الاتهام توجهت، ومن أطراف عديدة، بما فيها شخصيات محسوبة على الحكومة، إلى حركة «فرنسا الأبية» اليسارية التي يتزعمها جان لوك ميلانشون.
«تحت الكتب المدرسية غضب»، هذه العبارة التي تضمنتها الاحتجاجات الحالية، قارنها كثيرون بعبارة «تحت رصيف الحجارة، الشاطئ»، التي تضمنتها انتفاضة 1968، لكن هذه المرة الحركة الاحتجاجية، وعلى خلاف انتفاضة 1968، تتضمن مطالب مادية محددة، من أبرزها توظيف المزيد من المدرسين والعاملين في قطاع التعليم، وترميم المدارس والجامعات، وإصلاح المباني، وتوفير التدفئة والتهوية والمرافق الصحية المناسبة، ورفع قيمة المنح الشهرية للطلاب، وتوسيع قاعدة المستفيدين، وتجميد إيجارات السكن الجامعي، وغيرها من المطالب التي تستهدف إصلاح نظام التعليم.
وعلى الرغم من وجود مطالب واضحة لدى الحركة الاحتجاجية، فإن المسار الذي اتخذته الحكومة لم يتم التفاوض كما هو مألوف في حالات عديدة، حيث تقوم الحكومة بالتفاوض مع القادة النقابيين، للوصول إلى اتفاقات على المديين القريب والمنظور، فبعض المطالب تحتاج إلى ميزانيات كبيرة، وتحتاج إلى برمجتها في الخطط الحكومية، لكن يمكن تحقيق بعض المطالب المستعجلة، بحيث تحدث تسوية بين الطرفين، تضمن للحركة الاحتجاجية تحقيق بعض المكاسب، وتمنح الحكومة الوقت لتحقيق المطالب الأخرى.
لكن، هل فعلاً هذه الحركة الاحتجاجية الطلابية هي تعبير غاضب عن تجاهل مديد للإصلاحات التي كان يفترض أن تقوم بها الحكومات الفرنسية المتعاقبة في النظام التعليمي، أم أنها حركة احتجاجية أعمق من النطاق الطلابي؟
في السنوات الأخيرة، ارتفع معدل التضخم في فرنسا، نتيجة لأسباب عديدة، أهمها ارتفاع مجمل أسعار الطاقة، منذ عام 2022، إثر الحرب الروسية على أوكرانيا، وبشكل تراكمي، حوالي 30%، ويشمل مؤشر الطاقة الكهرباء والغاز والوقود ومنتجات طاقة أخرى، وقد انعكس ارتفاعها على مجمل الأنشطة الاقتصادية من صناعة ونقل وسكن وغذاء وتجارة وخدمات عامة وصحة، في الوقت الذي لم تتناسب فيه زيادة الأجور للعاملين في القطاعين العام والخاص مع نسبة التضخم.
أيضاً، تضخم الدين العام الفرنسي، ووصل للمرة الأولى إلى 3.6 تريليون دولار في يونيو/ حزيران الماضي، أي حوالي 119% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا يعني تراكم العجز بين الإيراد والإنفاق الحكوميين، وتباطؤ الاقتصاد، وارتفاع الفوائد على القروض، وكل هذه الأمور مجتمعة، تحدّ من قدرة الحكومة الفرنسية على الاستجابة للمطالب والاستحقاقات الاجتماعية، وتضعف قدرتها على تأمين الخدمات العامة.
قد يكون «الغضب تحت الكتب المدرسية» تعبيراً يحدّ من نطاق المشكلة الفرنسية، لكنه تعبير أوسع عن تغيير كبير في خرائط تتجاوز فرنسا نفسها إلى مجمل النظام الدولي.
