الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

باريس.. النور والنار

25 أكتوبر 2026 00:38 صباحًا | آخر تحديث: 25 أكتوبر 2026 00:38 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في باريس، مدينة النور التي صاغت شوارعها فصولاً من تاريخ الثقافة والفكر، تتجلى مفارقة الاحتجاج حين تنقلب المطالب الاجتماعية إلى مشاهد من التخريب والحرائق، ليس الغضب بدعاً في شرعة الأحرار، ولا النقمة بنتر إذا ضاقت بالمرء سبل العيش وتكاثرت عليه الصعاب، وإنما الفاجعة الكبرى أن يصبح الدمار العشوائي لساناً للمطالب، وتغدر النار الثائرة بأروقة النور البهية، وتلتهم الجهالة الحكمة، وتصبح كل واجهة زجاجية قرباناً لهوس مظلم لا يميز بين الرغيف والمتحف.
وليس في التاريخ ما يكشف هذه المفارقة أكثر من الثورة الفرنسية، فقد رفعت شعارات الحرية والمساواة والإخاء، وأسهمت في تغيير وجه أوروبا، لكنها شهدت أيضاً مراحل ابتلع فيها العنف بعض مبادئها، وتحولت العدالة المنشودة إلى ذريعة للإقصاء وسفك الدماء.
العبرة ليست في مساواة أحداث اليوم بثورات الأمس، بل في أن الغايات النبيلة قد تفقد معناها حين تنفلت الوسائل من ضوابطها، وأن الغضب، مهما كانت أسبابه، لا يصبح حكمة لمجرد أنه وليد المعاناة.
تستعيد هذه المفارقة حضورها في أوروبا اليوم، حيث تتردد أصداء التململ من باريس إلى عواصم أخرى، تحت وطأة غلاء المعيشة وأزمات السكن وتراجع القدرة الشرائية والقلق على المستقبل، وتختلف دوافع التحركات من بلد إلى آخر، لكن القاسم المشترك بينها هو شعور قطاعات من المجتمع بأن أعباء الحياة تتزايد فيما تضيق آفاق الأمان الاجتماعي، وبينما تتخذ هذه المشاعر شكل المسيرات والإضرابات والتحركات الشعبية، تنزلق بعض المشاهد إلى العنف والتخريب، فتختلط المطالب المشروعة بصور الحرائق والحطام، ويصبح المشهد أكثر صخباً من القضية التي أوجدته.
هنا تحديداً تكمن المفارقة السياسية، فحين تتصدر النيران واجهات الأخبار، يتراجع الحديث عن الأجور والسكن والعدالة الاجتماعية، وتتحول الأنظار من أسباب الغضب إلى كلفة الفوضى. وقد يجد خصوم الاحتجاج في التخريب فرصة لتهميش مطالبه، واختزال حشود مختلفة الأهداف في مشاهد عنف لا تمثل بالضرورة عموم المشاركين. وهكذا يخاطر الغاضبون بأن يمنحوا خصومهم أقوى الحجج، وأن يحجبوا بأيديهم القضية التي خرجوا من أجلها.
إن الاحتجاج، حين يصبح ضرورة لإيصال صوت المتضررين، لا يستمد قوته من حجم الأضرار التي يخلّفها، وإنما من وضوح مطالبه وقدرته على كسب الرأي العام، فتحطيم واجهة متجر لا يخفف عبء المعيشة، وإحراق مبنى لا يفتح باباً للسكن، والاعتداء على معالم المدينة لا يردم فجوة اجتماعية ولا يطعم مسكيناً خبزاً، بل إن التخريب يضيف خسائر جديدة إلى مجتمع يئن أصلاً تحت أعبائه، ويحوّل طاقة الغضب من وسيلة للتغيير إلى عبء على أصحابه.
وليس في صون المدن تجاهل لمعاناة أهلها، كما أن الحفاظ على الاستقرار لا يعفي من معالجة أسباب التململ، فالحوار والإصلاح والاستجابة للتحديات الاقتصادية تظل أكثر جدوى من ترك الأزمات تتراكم، فيما تبقى حماية الممتلكات والذاكرة الحضارية مسؤولية مشتركة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة