الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإمارات والردع الرقمي

25 أكتوبر 2026 00:33 صباحًا | آخر تحديث: 25 أكتوبر 2026 00:34 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم يعد الأمن السيبراني شأناً تقنياً محصوراً في إدارات الحواسيب والشبكات، بل أصبح أحد مكونات الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فمع توسع الاعتماد على المنصات الرقمية، وانتقال قطاعات حيوية مثل الطاقة والتعليم والخدمات الحكومية إلى بيئات مترابطة، باتت أي ثغرة إلكترونية قادرة على التأثير في استمرارية الخدمات، وثقة المجتمع، وقدرة المؤسسات على أداء وظائفها الأساسية.
وفي هذا الإطار، تبرز جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء منظومة وطنية متقدمة لحماية فضائها السيبراني، تقوم على الرصد المستمر، والكشف المبكر، والتحليل المتقدم، والاستجابة الاستباقية. ويكتسب ما أعلنه مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات، قبل أيام، بشأن رصد والتصدي لما يقارب 750 ألف محاولة هجوم سيبراني، أهمية تتجاوز دلالة الرقم ذاته، إذ يعكس طبيعة التهديدات المتزايدة من جهة، ومستوى الجاهزية الوطنية في مواجهتها من جهة أخرى.
قد يُفهم ارتفاع عدد الهجمات المرصودة للوهلة الأولى بوصفه مؤشراً على تصاعد المخاطر التي تواجه الدولة ومؤسساتها. وهذا صحيح جزئياً، لأن البيئة الرقمية العالمية تشهد بالفعل زيادة في محاولات الاختراق والتصيد وحجب الخدمات واستغلال الثغرات. غير أن القراءة الأكثر دقة للرقم تتطلب النظر إليه باعتباره مؤشراً مزدوجاً، فهو يكشف اتساع نطاق التهديدات، لكنه في الوقت نفسه يبرهن على قدرة المنظومة الوطنية على اكتشاف تلك التهديدات والتعامل معها قبل تحولها إلى اختراقات ناجحة.
وهنا يكمن الفرق بين عدد الهجمات التي تقع فعلياً وعدد المحاولات التي يتم رصدها وإحباطها. فالدول والمؤسسات التي تمتلك أدوات محدودة للرصد قد تبدو أقل تعرضاً للهجمات، ليس لأنها أكثر أمناً بالضرورة، بل لأنها لا تملك القدرة على اكتشاف جميع المحاولات. أما ارتفاع مستوى الرصد فيعني أن الدولة ترى مساحة أكبر من المشهد السيبراني، وتستطيع تحديد مصادر الخطر وأنماطه ومساراته المحتملة.
ومن هذه الزاوية، فإن التصدي لنحو 750 ألف محاولة هجوم يمثل دليلاً على نشاط دفاعي متواصل، وعلى انتقال الأمن السيبراني الإماراتي من نموذج الاستجابة للحوادث بعد وقوعها إلى نموذج استباقي يسعى إلى منع الضرر قبل حدوثه. وتكشف أنواع الهجمات التي أشار إليها المجلس عن تعدد الجبهات التي تعمل عبرها التهديدات الرقمية. فمحاولات تنفيذ الأوامر البرمجية عن بُعد تستهدف استغلال الثغرات في الأنظمة للوصول إلى وظائف حساسة أو تنفيذ عمليات غير مصرح بها. أما هجمات حجب الخدمة الموزعة، فتهدف إلى إغراق المواقع والمنصات بكم هائل من الطلبات، بما يؤدي إلى تعطيلها أو إبطاء خدماتها.
وتظل محاولات التصيد الاحتيالي من أكثر الأساليب انتشاراً، لأنها تستهدف العنصر البشري إلى جانب الأنظمة التقنية. وقد تبدو الرسالة الاحتيالية بسيطة، لكنها قد تفتح الطريق أمام سرقة كلمات المرور أو البيانات المصرفية أو المعلومات المؤسسية. أما الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فتمثل مرحلة أكثر تعقيداً، نظراً لقدرتها على إنتاج محتوى مقنع، ومحاكاة أساليب التواصل، وتغيير أدوات الهجوم بسرعة كبيرة. هذا التنوع يفرض على أي منظومة وطنية للأمن السيبراني أن تكون متعددة الطبقات. فلا يكفي الاعتماد على جدار حماية أو برنامج مضاد للفيروسات، بل ينبغي الجمع بين تقنيات المراقبة والتحليل، وفرق الاستجابة، وتبادل المعلومات، وتحديث الأنظمة، وتطوير مهارات العاملين، ورفع وعي الجمهور.
وتتضاعف أهمية الأمن السيبراني عندما يتعلق الأمر بقطاعات مثل الطاقة والتعليم. فالهجوم على قطاع الطاقة قد يمس إمدادات الكهرباء أو الوقود أو أنظمة التحكم الصناعية، بينما قد يؤدي استهداف قطاع التعليم إلى تعطيل منصات التعلم، أو تسريب بيانات الطلبة والمعلمين، أو إرباك المؤسسات التعليمية.
وتؤكد الجهود الإماراتية في هذا المجال أن أمن البنية التحتية الرقمية مرتبط مباشرة باستدامة التنمية. فكلما توسعت الدولة في الخدمات الذكية والتحول الرقمي، زادت الحاجة إلى حماية الأساس التقني الذي تقوم عليه هذه الخدمات.
ولا تقتصر قيمة الرصد السيبراني على منع الهجمات، بل تمتد إلى تعزيز الردع. فالمهاجم يتأثر باحتمال اكتشاف عمليته، وبسرعة الاستجابة لها، وبالقدرة على تحديد أدواته ومساراته. وكلما ارتفعت قدرة الدولة على اكتشاف الهجوم في مراحله الأولى، انخفضت فرص نجاحه، وارتفعت الكلفة التي يتحملها منفذوه. ومن هنا، فإن الرصد المستمر يحقق وظيفتين متكاملتين. الأولى دفاعية تتمثل في اكتشاف التهديد واحتوائه، والثانية ردعية تتمثل في إرسال رسالة مفادها أن الفضاء الرقمي الإماراتي يخضع للمراقبة والتحليل، وأن محاولات استغلاله لن تمر بسهولة أو دون استجابة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة