لا يكتفي الخطاط المحترف المتقن بكتابة اللوحة وإجراء العمليات الجمالية عليها فقط، بل يعمل بشكل فيه بذل روحي وإيماني كبير على أن تصل مدلولات النص ومعانيه السامية إلى المشاهد، لذلك حرص الخطاطون على اختيار الكلمات والنصوص التي يتمثلها المتلقي وينهل من قيمها العظيمة، حيث إن العمل الخطي يجمع بين الأبعاد الجمالية والمعنى القيمي الذي يدعو للإيمان ومكارم الأخلاق.
إذا كان هناك العديد من الخطاطين قد برعوا في قلم الثلث الجلي، فإن هناك من رسخت أعمالهم وممارساتهم الجمالية في الأذهان فخلدوا وخلدت لوحاتهم ومن هؤلاء التركي حامد الآمدي، صاحب الروائع والأعمال المتقنة إذ طالما تميز بالأسلوب المختلف والرصين في ذات الوقت، والتفاصيل الفنية التي تحافظ على أصول الخط من أجل صنع تحف خالدة تستلهم أبعادها الجمالية من النصوص الإسلامية، كان الآمدي امتداداً لجيل العمالقة وحمل لقب خطاط القرن العشرين.
ومن الأعمال البديعة التي استخدم فيها الآمدي قلم الثلث الجلي، تلك التي خط فيها نصاً قرآنياً هو: «فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» (آل عمران-159)، والتي تحمل العديد من المعاني والدلالات العظيمة فالآية تأمر المسلم بالتوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب وبذل الجهد في تحقيق الأمر، وتلك معانٍ روحية تجعل المؤمن يحلق في عوالم روحية ونورانية، ومحاولة منه في تمثل هذه الدلالات عمل الآمدي على صنع لوحة تقترب من جمال النص وتعبر عنه في ذات الوقت.
طبّق الآمدي في هذه التحفة الخطية المعايير الدقيقة في كتابة الخط العربي، وقدم لمحات فائقة الروعة، حيث حرص على إبراز الأبعاد الجمالية للحرف العربي، وتزويده بقراءات بصرية مبتكرة ومختلفة، ولعل اختيار قلم الثلث الجلي تحديداً في تنفيذ هذه اللوحة نابع من الإمكانيات الكبيرة التي يوفرها هذا الخط من حيث المد والاستدارة، وبقية الأشكال الهندسية، فهذا القلم قابل للتشكيل بطرق متعددة وهو ما يعتمد بصورة كبيرة على الخطاط نفسه، فعمل الآمدي على تفجير طاقته الإبداعية في هذا العمل من خلال جملة من التقنيات والأساليب، حيث حرص على أن يأتي شكل النص في اللوحة بصورة دائرية مع إجادة فائقة ودقيقة لقواعد الخط لتخرج الصورة النهائية بشكل أكثر روعة وجمالاً، وفي ذات الوقت حرص الفنان على أن تكون كلمات النص واضحة للقارئ.

* تصميم


لعل اللافت في اللوحة تلك البراعة في تصميم العمل على نحو هندسي من حيث أبعاد توزيع الحروف والكلمات من حيث التناسق والانسجام والتقابل، وربما ما جعل اللوحة أكثر وضوحاً بالنسبة للقارئ عدم أكثر الخطاط من علامات التزيين، مع موازنة واضحة في مواضع الكلمات، وفي هذا السياق، فإن اللافت بقوة هو موقع اسم الجلالة في صدارة اللوحة من دون أن يميل يميناً أو يساراً، وهذه من نقاط القوة في العمل، أما عبارة «فإذا عزمت»، فقد جاء مقامها في أسفل تكوين اللوحة، تليها كلمة «فتوكل»، بينما جاء حرف «على»، ليكون بمثابة رابط وناظم بين أجزاء اللوحة بحيث امتدت من الجانب الأيسر إلى الشق الأيمن لتكون نقطة التقاء بين الجزأين العلوي والسفلي، وهو أمر يشير إلى رغبة الخطاط في أن تأتي كل كلمة بشكل متوازن.

* ابتكار


يرى كثير من الخطاطين والنقاد أن اللوحة استمدت جمالياتها من التكوينات الهندسية للحروف والكلمات، حيث اعتمد الخطاط المقومات البنائية لحروف الثلث من خلال طريقة توزيعه للكتل الخطية على أقسام الدائرة الأربعة بشكل متساوٍ. فضلاً عن حسابه لطريقة توزيعه «الألفات» الصاعدة وجعلها متقابلة على مساحة التركيب؛ بمعنى أن حرف الألف في الجهة اليمنى يقابله ألف آخر في الجانب الأيسر بينما يتوسط اللوحة حرف ألف يقسم جغرافيتها إلى نصفين متساويين بشكل نسبي، ونجد ذلك التوازن في العديد من الأحرف والكلمات الأخرى التي راعى فيها الخطاط التناسق والتناسب، فضلاً عن ذلك فإن الزخرفة النباتية في هوامش اللوحة الخارجية منحت العمل أبعاداً روحية وجمالية، فصنع الخطاط إطارين لاحتواء النص الهندسي الدائري، وأحاطت الزخرفة بألوان مختلفة تسرب البهجة والسرور إلى المشاهد، بينما جاء برواز خارجي ليحتوي الزخرفة نفسها يضم إبداعات تشكيلية، في ما جاءت الخلفية الصفراء في الشكل الدائري لتجعل لون الخط الأسود أكثر وضوحاً وإشراقاً.

* معانٍ


اللوحة تمنح المشاهد أبعاداً جديدة لقراءة النص، تعين على فهم المعاني السامية والدلالات العظيمة التي حملها النص القرآني وتدبره، حيث إن فائدة العمل الفني تكمن في صناعة حالة جمالية وروحية تقرّب معاني النص للمتلقي.