د. خليل حسين*
مفارقة العلاقات الأمريكية الروسية ارتباطُها بمؤثرات لا حصر لها، وفي معظم الحالات هي بحاجةٍ إلى متابعات دقيقة، بالنظر إلى التداعيات التي تؤثر في قضايا دولية وإقليمية غالباً ما يكون لهما قرار واضح فيها. واليوم تبدو العلاقة أكثر حَراجة، بخاصة لما للأزمة الأوكرانية من آثار قوية على طبيعة العلاقة وكيفية التعاطي مع القضايا المرتبطة بها. وتخضع هذه العلاقات لطبيعة شخصية الرئيسين الأمريكي والروسي، وكيفية التعامل مع القضايا الدولية، وبخاصة مع الرئيسين الحاليين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب. والأغرب في ذلك ما يشاع عن علاقة وثيقة تجمع الرجلين ولو في أطر غير منظورة للعلن، رغم التوترات التي تظهر بين البلدين وأحياناً كثيرة في أطر عالية المستوى. وآخرها كان إعطاء الرئيس الأمريكي أوامره لإرسال غواصتين نوويتين بالقرب من روسيا كرسالة واضحة لموسكو، رداً على تصريحات الرئيس الروسي الأسبق دمتري ميدفيديف، وهي مفارقة نادراً ما تظهر في التعاطي الدولي بين دول عظمى تمتلك أسلحة غير تقليدية.
وفي ظل هذه الأجواء الضاغطة يصار إلى تأمين الظروف لعقد قمة رئاسية أمريكية روسية، في محاولة لإيجاد فرص لتخفيف التوتر المتزايد ومحاولة الخروج برؤى لحل أعقد الأزمات الدولية، أي الأزمة الأوكرانية التي شغلت العالم وتركت آثاراً كثيرة حتى في تجمعات قارية كالاتحاد الأوروبي مثلاً. ويبدو جلياً أن قمة ألاسكا منتصف أغسطس/آب الحالي، حيث يؤمل منها التوصل إلى مسار يفتح المجال لتكوين بيئة لحل الأزمة الأوكرانية، والحد من تداعياتها الإقليمية والدولية؛ حيث جرت اتصالات أمريكية أوروبية كعامل إشراك، سيما أن الرئيس الأوكراني شارك فيها في محاولة لإمكانية انضمامه إلى القمة. وفي أي حال من الأحوال، تعقد هذه القمة في ظروف مختلفة ومغايرة عن العديد من القمم السابقة، فهي اللقاء الأول في الولاية الثانية لدونالد ترامب، والمحاطة بظروف دولية غير مريحة لموسكو، إن كان لجهةِ وقائعِ النزاع الروسي الأوكراني، أو المتغيرات التي حصلت في الشرق الأوسط، وبخاصة الزلزال السوري وتداعياته الكبيرة على موقع روسيا ومستوى قدرتها على فرض ما تريد أو أقله بداية طرح ما تريد.
لقد عمدت الولايات المتحدة إلى رفع مستوى تدخلها في الأزمة الأوكرانية مباشرة وعبر حلف الأطلسي بمواجهة موسكو، وتمكنت في بعض المراحل من كبح جماح القوة الروسية، علاوة على تلقيها ضربات نوعية موجعة حتى في الداخل الروسي. فيما أدى سقوط النظام السوري إلى تداعيات وازنة في حضور روسيا الشرق أوسطي، حيث تعتبر قواعدها في الساحل السوري الرئة التي تتنفس منها دولياً، وتؤمن لها الحلم الدائم في المياه الدافئة. إزاء هذا الواقع، يبدو أن موسكو لن تكون قادرة على فرض رؤيتها في القمة، إلا إذا طرحت مقايضات مرغوبة لدى الأطراف المعنية، وطبعاً قبول أوكرانيا بها. وفي هذا المجال يشاع مثلاً عن طرح ضم بعض الأراضي التي سيطرت عليها روسيا في المعارك الأخيرة، إضافة إلى شبه جزيرة القرم التي سبق وضمتها روسيا في عام 2014، وطبعاً هو أمر رفضه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، واعتبره طرحاً معادياً للسلام.
وفي مقابل ذلك، ثمة تنافسات واضحة بين قوى كثيرة حول موارد القطب الشمالي، ومن بينها روسيا وأمريكا، إضافة إلى نزاعات بين واشنطن وبعض الدول الأخرى المشاطئة للقطب مثل كندا، وبعض الدول الاسكندنافية، وفي هذا الإطار يبدو أن موسكو أعدت العدة لتقديم مواقف متصلة بالقطب الشمالي وموارده في القمة، وهو أمر يسعى إليه الرئيس الأمريكي بشكل واضح، وعليه فالجانب الاقتصادي في القمة سيفتح المجال أمام نقاشات ومفاوضات قادمة بين موسكو وواشنطن دون إغفال أطراف أخرى، ومن بينها الدول الأعضاء في مجلس القطب الشمالي.
وقياساً على سوابق جمعت الطرفين، يبدو أن هذه القمة ستكون مفتاحاً لمسائل حيوية يحاول الطرفان إيجاد حلول لها، بخاصة أن متغيرات استراتيجية أعادت مسائل وُضِعت جانباً في فترة من الفترات، وما لبثت أن أعيدت إمكانية النقاش فيها، وهي مواضيع اقتصادية متصلة بموارد القطب الشمالي الذي يشهد تنافساً قوياً، علاوة على العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، والتي استهلكت الكثير من قواها وإمكاناتها.
ومن بين القضايا التي تشغل بال موسكو وتضعها في مقدمة اهتماماتها، ما تعتبره موسكو تهديداً لأمنها الاستراتيجي القومي المتأتي من حلف الأطلسي عبر الأزمة الأوكرانية، والذي سيكون، إلى جوانب أخرى، في طليعة المباحثات بين الطرفين.
خلاصة القول: إن الظروف الدقيقة التي تحيط بأجواء قمة ألاسكا، ستجبر الطرفين الروسي والأمريكي على إيجاد بيئة متقاربة لوجهتي النظر المطروحة لكليهما، إضافة إلى الأطراف الأخرى التي تحاول أن تشارك في نتائج ذلك اللقاء، إن لم يكن المحاولة لكي لا تكون النتائج على حساب مصالحها الخاصة. فغالباً ما تكون هذه القمم مناسبة لوضع أسسٍ لحل نزاعات متراكمة استهلكت الكثير من الجهود دون التوصل إلى حلول مقبولة لدى أطرافها.
إن تورّط روسيا في الأزمة الأوكرانية من جهة، وتورط الولايات المتحدة وحلف الأطلسي من جهة ثانية، وضعا العالم أمام وَضع خطِر، غالباً وفي ظروف مماثلة أدت سابقاً إلى إشعال أزمات وحروب كبرى وضعت البشرية أمام تحديات لا حصر لها.
* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية