د. عبدالله أحمد آل علي*

مع اقتراب نهاية ولاية السيد أحمد أبو الغيط كأمين عام لجامعة الدول العربية، يُعاد فتح ملف موقع الجامعة في النظام الإقليمي العربي، ودورها في زمن تتزايد فيه التحديات وتتسع رهانات الصراع والتنافس.غير أن النقاش حول الشخصية المقبلة التي ستقود الأمانة العامة لا يجب أن يُختزل في الأسماء، بل يجب أن ينطلق من تشخيص معمّق للواقع العربي الراهن ومصالحه الاستراتيجية، في ظل تحولات الداخل وضغوط الخارج.
فالعالم العربي يقف على أعتاب مرحلة متغيرة، حيث تتعاظم أدوار المشاريع الإقليمية والدولية، وتتسارع استحقاقات الانتقال نحو نماذج جديدة من الحكم والتنمية والسيادة التقنية. وفي هذا السياق، تبرز أسئلة المشروع العربي الجامع: هل ثمة رؤية تتجاوز التنسيق الظرفي نحو بناء كتلة سياسية واقتصادية متكاملة وفاعلة، تمتلك منظوراً استقلالياً متنامياً؟ وما موقع الشباب، والاقتصاد، والتقنية في صياغة هذا المشروع؟ ومن هي الشخصية القادرة على إدارة هذا التحول في ظل ما يحمله الظرف الراهن من مفاجآت استراتيجية للعالم العربي؟
الجامعة العربية، وهي تدخل مفترقاً حاسماً في مسيرتها، لم تعد قادرة على الاكتفاء بوظيفتها التقليدية كمنصة رمزية. فالأزمات التي تضرب سوريا واليمن والسودان وليبيا، إلى جانب المأزق الاستراتيجي الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية، والحرب الممنهجة على قطاع غزة من قتل وتجويع، تفرض نمطاً جديداً من الأداء الجماعي المتماسك، يربط بين المبادرة السياسية والرؤية المؤسسية. أما على المستوى الدولي، فإن تراجع الدور الأمريكي التقليدي، مقابل بروز أدوار فاعلة لكل من الصين وروسيا، يفرض على العرب إعادة تموضعهم الجيوسياسي وفق حسابات دقيقة، وعدم الإفراط في الاعتماد على الغير في أمنهم واستقرارهم.
في هذا الإطار، يبرز اسم الدكتور نبيل فهمي، وزير الخارجية المصري الأسبق، كأحد الأسماء المطروحة بجدارة، ليس فقط بصفته دبلوماسياً مخضرماً، بل أيضاً مفكراً استراتيجياً يمتلك مشروعاً ورؤية لإعادة تعريف بنية العمل العربي المشترك. ما يميّز الدكتور فهمي هو وعيه العميق بضرورة إصلاح الجامعة من الداخل عبر أدوات مؤسسية تبدأ بتعديل آليات اتخاذ القرار، وإرساء منظومات للإنذار المبكر قادرة على الاستباق لا الاكتفاء برد الفعل، وتفعيل المجالس الوزارية المرتبطة مباشرة ببرامج تنفيذية وموازنات مخصصة. كما يدعو إلى دمج الاقتصاد الرقمي والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي ضمن برامج العمل العربي، بما يتماشى مع متطلبات المستقبل ويعزز مكانة العرب في الاقتصاد العالمي.
ولا يقتصر مشروع الدكتور فهمي على البناء الفني، بل يستند إلى رؤية شمولية تستلهم التجارب الإقليمية الناجحة، مثل الاتحاد الإفريقي الذي انتقل من مؤسسة شكلية إلى فاعل إقليمي مؤثر. فهو يؤمن بأن السيادة الوطنية لا تتناقض مع العمل الجماعي المنظم، بل تتعزز من خلاله، شريطة توافر إرادة سياسية واستقلالية مؤسساتية وإطار حوكمة رصين يعتمد على إمكانات الذات قبل الاعتماد على الغير.
ختاماً، إنها لحظة فارقة تتطلب قيادة استراتيجية واقعية تُعيد صياغة الدور العربي، لتنتقل به من حدود الخطابة إلى أفق الفعل المؤسسي المستقل والجامع، بما يحفظ المصالح العليا للأمة ويعزز مكانتها في النظام الدولي.

* باحث في الشأن الأمني