اتجه الكثير من المفكرين في الآونة الأخيرة، نحو الكتابة عن البيئة والطبيعة والغابات والغطاء النباتي لكوكب الأرض، والاستدامة، وذلك نظراً للخطر الماثل، في عصرنا الراهن، الذي يهدد البشرية والمتمثل في الاحتباس الحراري وانبعاث الغازات والرعي الجائر والتعامل البشري مع البيئة بكل مفرداتها بصورة منفلتة من عقالها، وفي هذا الإطار يأتي، كتاب «أمهات الأشجار... رحلة لاستكشاف حكمة الغابات»، للعالمة والكاتبة الكندية سوزان سيمارد، أستاذة علوم البيئة والغابات في جامعة كولومبيا البريطانية في كندا،، الذي صدر عربياً في طبعته الأولى عام 2024، عن دار روايات، بترجمة باسمة المصباحي.
تكمن أهمية الكتاب في أنه يجمع بين أكثر من مجال معرفي واحد، حيث الفكر بحمولته التأملية والفلسفية، والعلم باكتشافاته المذهلة في عوالم غريبة، والأدب بما يحمله الكتاب من أسلوبية تعلي من شأن اللغة والبلاغة والسرد وكتابة السيرة الذاتية، فمن خلال غوصها في الطبيعة والغابات وتجوالها بين الأشجار تحكي الكاتبة عن حياتها وسيرتها وتجاربها لتعمق من حالة التشابه بين عوالم البشر والنبات.

*اكتشاف


في هذا الكتاب توصلت المؤلفة من خلال احتكاكها بسكّان الغابات الأصليّين والنّهل من ثقافاتهم، إلى اكتشاف شبكات تمتد في باطن الأرض واصلةً جذور الأشجار بعضها ببعض. تنتقل المغذيات عبر هذه الشبكات بين الأشجار على اختلاف المواسم والظروف المناخية والبيئية. وتحتوي هذه الشبكة على كائنات حية بسيطة ومعقدة تسهم في التنوع الحيوي وإثراء التربة بالعناصر اللازمة لازدهار الأشجار، وتزوّد الأشجار بمضادات تحميها من الآفات الطبيعية والحرائق. تتمكن الأشجار أيضاً من إرسال رسائل تحذيرية عبر الشبكة الفطرية إلى الأشجار الأخرى، وفي حال عدم قدرتها على الاستمرار، تورّث آخر ما تبقى لديها من مغذيات لما حولها من شتلات وأشجار، وهو ما تفعله «أمهات الأشجار» أي الأشجار المعمرة. ترعى أمهات الأشجار الشتلات الصغيرة منذ مراحل نموها الأولى إلى أن تكبر وتتمكن من الاعتماد على نفسها، ومن ثم تتكاثر وتترعرع وتصبح أمهات أشجار أيضاً.

*حكاية

الكتاب هو بمثابة قصة عن الأشجار قريبة من حياة البشر أنفسهم، وكل الكائنات الحية الأخرى، حيث تلقي الكاتبة الضوء على الكثير من الحقائق المذهلة والعجيبة في عالم الغابات والنباتات، فالشجرة ليست مجرد مصدر للخشب، بل دائرة حياة معقدة وشديدة الترابط، فما الأشجار داخل الغابات إلا كائنات اجتماعية متواصلة مع بعضها عبر شبكات سرية تعبر عن حيويتها من خلال حياة جماعية حافلة بالتفاصيل الحميمية والعاطفية، فالنباتات لها مشاعرها وحياتها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، والغابة مملكة تلك الكائنات النباتية التي تمتلك ذاكرة تتناقلها وتحيا بها الأجيال المختلفة من الأشجار، كل جيل ينقل تجربته للآخر، وهكذا تمضي بهم الحياة.

*تنافس وتعاون


اتخذت الكاتبة ذلك الأسلوب الذي يمزج بين العلمي والعاطفي من أجل صناعة تفاصيل رحلة جمالية في عالم الأشجار والغابات، فهي لا تسلم القارئ إلى الحيرة، بل تشرح بصبر العالم وبصيرته رحلة تطور الأشجار منذ مئات السنين في قلب الغابات المختلفة، وكيف استطاعت تلك النباتات أن تصقل تجربتها الحياتية في التعامل مع البيئة، فالأشجار تدرك بعضها البعض، وتتعلم وتتكيف مع سلوكياتها، وتتعرف إلى جيرانها، وتتذكر الماضي؛ وتمتلك القدرة على التصرف في المستقبل؛ وتستثير التحذيرات وتبني الدفاعات، وتتنافس وتتعاون مع بعضها ببراعة، وهي خصائص تُنسب إلى الذكاء البشري، وهي السمات التي تشكل جوهر المجتمعات المدنية وفي قلب كل ذلك، الأشجار الأم: القوى الغامضة والقوية التي تربط وتدعم القوى الأخرى التي تحيط بها، حيث إن الشجرة الأم، هي بمثابة البطل في هذه الرواية التي برعت في كتابتها سيمارد، وتفننت في صنع أحداثها المختلفة.
يضم الكتاب العديد من العناوين التي عملت الكاتبة على جعلها تأخذ من عالم الأشجار والغابات في مقارنة لا تنتهي من أجل إثبات حالة التماثل بين الاثنين، ومثال ذلك: «روابط»، و«أشباح في الغابة»، و«ظمأ»، و«تهديد»، و«قتل التربة»، و«شجار في الاستراحة»، و«الآنسة بتولا»، و«تسليم العهدة»، وغير ذلك من العناوين التي تتحدث من خلالها الكاتبة عن مواضيع مختلفة في حياة الأشجار، كما أن الكتاب يستهل باقتباس لعالمة الأحياء البحرية والكاتبة الأمريكية راشيل كارسون، يقول: «ما الإنسان إلا جزء من الطبيعة، وحربه عليها حرب على نفسه»، وتلك المقولة لكارسون هي زبدة كتاب سوزان سيمارد هذا، والذي لا يتحدث فقط عن العلاقات بين الأشجار، بقدر ما تعنيه هذه المنظومة العجيبة من العلاقات وأهميتها في الحفاظ على كوكب الأرض والحياة البشرية.

*أسلوب وإلهام


الكتاب بما يحمل من أسلوب في تبسيط الحديث عن الطبيعة والغابات عبر محاولة المؤلفة تفادي الحمولة العلمية الثقيلة، أصبح مصدر إلهام للعديد من الكتاب والفنانين وصناع السينما، حيث كان تأثيره واضحاً في فيلمي «شجرة الأرواح»، و«أفاتار»، للمخرج والكاتب جيمس كاميرون، بل أصبح هذا المؤلف معيناً أساسياً للكثيرين في فهم العلوم الطبيعية، ويعود ذلك النجاح الكبير للكتاب لأن مؤلفته في الأصل رائدة في مجال التواصل والذكاء النباتي، وقد أُشيد بها كعالمة تُوصل أفكاراً تقنيةً معقدةً بأسلوبٍ مُبهر وعميق، فالكتاب يحمل سعياً لفهم العالم، وإدراك أن الحياة مُعقدة ومتنوعة، وليس من السهل تعريفها واحتواؤها في المختبر، ولجعل الأمر أكثر حيوية فإن الكاتبة تنسج تاريخها الشخصي والمهني بسلاسة في عملها، الأمر الذي جعل النقاد والعلماء يعدون الكتاب عملاً رائداً ومرجعياً.

*مقارنات


العديد من النقاد الأدبيين أعجبوا بالكتاب، كونه مؤلفاً علمياً بأسلوبية إبداعية، وقدموا مقارنات بينه وبين بعض من المؤلفات السردية الروائية مثل رواية «ضفائر العشب الحلو»، للكاتب روبن وول كيمرير، وهو أيضاً مختص في علم النباتات، وأيضاً رواية «فتاة المختبر»، للكاتبة هوب جارين، وكلها إصدارات تربط بين عالم البشر والنبات بصورة أدبية من أجل فهم الطبيعة والمزج بين أفكار العلم والتاريخ والتأملات الشخصية.

*خلفية


ولدت سوزان سيمارد عام ١٩٦٠، وهي عالمة غابات وخبيرة في الحفاظ على البيئة، اشتهرت بأبحاثها في علم بيئة الغابات وذكاء النبات، وهي أستاذة في قسم علوم الغابات والحفاظ عليها بجامعة كولومبيا البريطانية، حصلت على درجة الدكتوراه في علوم الغابات من جامعة ولاية أوريغون، وإلى جانب المادة العلمية فإن سيمارد تكتب في هذا المؤلف عن حياتها الشخصية، حيث وُلدت ونشأت في عالم الأشجار في الغابات المطيرة، وعن أيام طفولتها التي قضتها في فهرسة أشجار الغابة وكيف أحبتها واحترمتها.

*اقتباسات


«عجيبة هي قدرة البراعم على التفتح كل ربيع».
«تتكيف النباتات مع نقاط قوة وضعف بعضها».
«ثمة جمال في التعقيد، وفي ترابط الأفعال».
«معرفة السكان الأصليين تنبع من طريقةٍ في معرفة الأرض».
«علينا مسؤولية رعاية الموارد، وضمان استدامة النظم البيئية للأجيال القادمة».
«يتزعزع توازن كوكبنا، مع تسارع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عاماً بعد عام».
«المطلوب التواصل مع الطبيعة بدلاً من اعتبار كل شيء وكل شخص سلعة للاستغلال».
«عندما تموت الشجرة الأم، تنقل حكمتها إلى أقاربها، جيلاً بعد جيل».
«هناك حكمة في عطاء الطبيعة، هناك كرمٌ استثنائي».