د. أمينة أبو شهاب
من سيكسب التحدي في النهاية؟ الكلمة والكاميرا أم الصاروخ ومعه كل جبروت شركات التكنولوجيا الرقمية، تلك التي تتطوّع خفية لتوظفها إسرائيل في مهماتها التجسسية المعلوماتية والحربية في غزة والضفة؟ قبل أيام قليلة سرّبت الغارديان البريطانية خبراً عن استخدام إمكانيات مايكروسوفت للتجسس على مليون مكالمة هاتفية تجري بين الفلسطينيين في كل ساعة. هذا السؤال عن إمكانية مقارعة الكلمة للجبروت العسكري التكنولوجي، يطرح نفسه بعد إسكات إسرائيل صوت أنس الشريف ليصبح شهيداً بعد أن كان ولعامين شاهداً ورسولاً للحقيقة لصالح العالم كله، وصوتاً للذين لا صوت لهم في غزة. وأمام سمع وبصر الغرب «الديمقراطي» وصمته المريب، استشهد في غزة خلال الاثنين وعشرين شهراً الماضية مائتان وسبعون صحفياً، سلّم كل منهم الراية للآخر وهو يمضي شهيداً للكلمة والحقيقة التي تعمل إسرائيل على طمسها. وكان ذلك لأن حضورهم كان عالمياً بنقلهم لجرائم إسرائيل في ظل غياب الإعلام الغربي التام.
لكن استشهاد أنس الشريف العشريني اليافع والمنتمي إلى مخيم جباليا وانطفاء نور عينيه التي كان فيهما شيء غير قليل من الطفولة والأمل، والتصميم على أداء «الأمانة» وتحمل «المسؤولية»، كما هي كلماته دائماً، كان له وقع آخر مختلف وطعم مر على الألسن، ولا فرق في ذلك ممن نعوه وعلى نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي من العرب والنشطاء الغربيين ومن سائر المعمورة. كان لهذا الصحفي خطاب واسع المدى من الوقائع والحقائق، كرّس حياته المعدودة الأيام لكشفها وذلك رغم أنف العدو، فلم يكن معقولاً في نظره أن تزهق كل تلك الأرواح وتراق أنهار الدماء، دون أن يكون هنالك شاهد يرويها بلسانه إلى أسماع العالم. مهمته الفريدة والمتعددة الأبعاد، بل والعملاقة بكل المقاييس كان كثيراً ما يصفها ب«الأمانة» و«المسؤولية» و«الرسالة» وهذه المفردات تمثل إرادة واعية للسير في طريق الاستشهاد في سبيل الحقيقة والكلمة. وإسرائيل التي تريد أن تحدد ما يقال على الألسن هي عدو طبيعي لمفردتي الأمانة والمسؤولية وأخواتهما، وتستفز منهما إلى أبعد الحدود فهي من إنتاج مخيمات عرفت عدوها الذي لا يرحم، وعرفت كذلك بالتالي أنه لا وجود لنصف حقيقة. ثم إن إسرائيل تعلم أنها في مأمن دائم ما دام هنالك إنتاج بالجملة لصحفيين في جوارها لا يقولون نصف الحقيقة ولا ربعها وإنما أقل من ذلك بكثير.
لماذا هذه الغصّة الناشبة في الحلوق والصدور والحزن الثقيل المخيم على القلوب عرباً وعلى امتداد العالم على إنهاء حياته الغضّة بغارة درون؟ هل لأنه في هيئته ومنطوقه وسلوكه وخاصة بعد وصيته يمثل رسول الحقيقة في شكله المثالي النقي الصافي، والذي ما كان أن يُقتل لأن هذه الفئة من البشر محرمة على القتل في كل ثقافة وعرف ودين؟ وهل لهذا يا ترى يعاهده الآلاف من الناشطين الأجانب بعد استشهاده على السير على دربه في كشف الحقائق؟ أم أن الحزن عليه هو من جديد سؤال عدم تكافؤ تحدي إجرام الصواريخ وفجورها مع الصدر العاري لصاحب الكلمة وحامل المايكروفون والكاميرا؟ وكون أنس الشريف مع وعيه لعدم التكافؤ هذا، قد أعلن مراراً على الشاشة عدم امتثاله لأمر إسرائيل بالتوقف عن نقل ما يحدث وحتى بعد قتل والده قصفاً كإنذار أخير له؟ من هو منا في النهاية الذي يريد أن يكون قضاء إسرائيل أمراً مقدوراً وخاصة مع هذا الصحفي الذي يذهب إلى هذا البعد في الإيمان بقضيته. كانت تتوجّه الأعين إليه ليس فقط لإنه الأكثر إحساساً بأهل غزة والأكثر صدقاً ودقة في نقل وحشية الإبادة، وخاصة في مرحلتها الأخيرة الأخطر وهي المجاعة، وإنما كذلك لأنه على رأس قائمة القتل الإسرائيلية. من هنا، كانت القصة بينه وبين متابعيه ستصبح شخصية تماماً: وسيتأكدون كل صباح من أن يد إسرائيل لم تطُله وأنه لا يزال يدبّ في حواري غزة بقامته الصغيرة يوثّق منها لتقاريره الحية التي أصبحت تتداول في العالم كله، في ظل غياب الصحافة الغربية والإعلام من أي نوع. ما كان سيوثقه منها كان سيصنع الفارق الحاسم ما بين جريمة نظيفة، أي بلا دليل وجريمة بأدلة وبصمات ووجه مجرم. وهذا ما كان سيصبح أقوى نسيج في الرواية الفلسطينية التي أخذت تسود في العالم وتبطل الأكاذيب الإسرائيلية.
شاء الله أن يطيل عمره بما يكفي، كي ينال من عدوه أكثر بنور حقائقه التي تتوجه إلى العالم والتي تتحول إلى نار تحرق صورة الكذب الإسرائيلي، وكان ممتنا لله على «فسحة» العمر لأشهر قليلة، كما سجلته كاميرات زملائه والتي سجلت أيضاً لقطات له وهو ينزوي ليبكي ما يراه من قتل الأطفال الجوعى.
الخصم العنيد لإسرائيل عاش شهوره الأخيرة في خيمة، وكان يفترش الأرض ويلبس النعل البسيط أو ما يسمى بالبلدي الغزاوي «الشحاطة». وبما أن إسرائيل تعرف جيداً الحجم الحقيقي لخصومها فقد ذيّل الجيش الإسرائيلي وعلى غير العادة قتله لأنس الشريف بتوقيعه معلناً ذلك في بيان انتصار استغرب له البعض من العرب جهلاً، وهلل له كثير من الصحفيين والسياسيين الإسرائيليين. ثم جاء الإعلام الإسرائيلي ليتحدث عن أن توقيت القتل كان لتسهيل مهمة الجيش في احتلال غزة. وهكذا وضحت الحقيقة الآن عن أنس أنه كان أكثر من فرد واحد. كان يقوم مقام جماعة أو فريق كبير، أو بالتعبير الأكثر فصاحة في لغتنا الجميلة: كان أمة وحده. كان يقارع الصاروخ بأمل انتصار شعبه عليه يوماً ما.