د. منصور جاسم الشامسي

ذكرت تقارير سياسية أمريكية، أن سعي الصين لتصبح قوة عالمية يُمثل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، وأن الصين تُشكل أكبر «تهديد» عسكري وإلكتروني للولايات المتحدة، وتمتلك القدرة على ضربها بأسلحة تقليدية واختراق بنيتها التحتية من خلال هجمات إلكترونية، واستهداف أصولها الفضائية، وتسعى إلى إزاحة واشنطن عن عرش الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، وأن روسيا، ومعها إيران وكوريا الشمالية والصين، تسعى إلى تحدي الولايات المتحدة من خلال حملات مدروسة لتحقيق تفوق عسكري، وأن حرب موسكو في أوكرانيا قد منحتها «دروساً قيمة في مواجهة الأسلحة والمخابرات الغربية في حرب واسعة النطاق».
الولايات المتحدة حددت الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران كدول تُشكل «تهديداً» لها، وهذا يعكس استمرارية تأثير النظرية السياسية، (التهديد، ومواجهة وموازنة التهديد)، تَصوّر وجود تهديد خارجي، بصورة «حقيقية» أو حتى بصورة «وهمية»، على السياسة الخارجية الأمريكية. ورغم أهمية، هذه، النظرية وقوتها وتَجَذرها في عِلم السياسة ومراكز الأبحاث والجامعات، إلا أنها غدت مُعضلة وعُقدة في السياسة الدولية، و«خَطِرة»، لكونها قادرة على تبرير الحروب الخارجية والأهلية والعسكرة وكراهية الآخر والصِدامات والانقسامات والإبادات الجماعية، وهذا يَقتضي عدم قبول «النظرية»، كمُسَلَّمَة، وبديهية، بل التعامل معها بحذر، وموضوعية، ومنهج علمي. جذور «نظرية التهديد» ترجع للفكر السياسي القديم، ومرتبطة بواقع وفلسفة «الصراع» و«التدافع» البشري التاريخي على الموارد الاقتصادية والثراء والمكانة والنفوذ والهيمنة والمال والثروة، المُولّدين، للسلب، والتسلط، والعنف، والتوجه الحربي.
«نظرية التهديد» تخلق أجواء عدائية بسهولة بين الدول. مؤخراً، الصين اتهمت الولايات المتحدة بالتدخل في الشؤون الداخلية لفنزويلا، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية نسبتها 25% على الواردات من البلدان التي تشتري النفط والغاز من فنزويلا. وقال الناطق باسم الخارجية الصينية غيو جياكون: «ندعو الولايات المتحدة إلى وقف التدخل في شؤون فنزويلا الداخلية وإلغاء العقوبات الأحادية غير الشرعية المفروضة عليها». وحض الولايات المتحدة على «القيام بمزيد من الأمور الداعمة للسلام والاستقرار والتنمية في فنزويلا وغيرها من البلدان». وقال غيو إن أي طرف لن يخرج «منتصراً» من الحرب التجارية، مشيراً إلى أن «فرض ضرائب ورسوم إضافية لن يؤدي إلا إلى مفاقمة خسائر الشركات والمستهلكين الأمريكيين». والصين أكبر مشتر للنفط الفنزويلي. كذلك فإن الصين عارضت ما يُسمى «التهديد الصيني، وبأنه «تضخيم» و«حثت الولايات المتحدة على التوقف عن تشويه الصين وقمعها».
ثمة دراسات تُشير إلى أن قضية «التنافس» مع الصين يتم استخدامها من قبل «المتشددين الأمريكيين» كمبرر لزيادة الإنفاق العسكري، والتحديث النووي، وزيادة الوجود العسكري في المحيط الهادئ. ورغم أن مناطق المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا تشهد توترات، إلا أنها لا تشهد حروباً بكثافة وخطورة الحروب في الشرق الأوسط الذي تُهيمن عليه «نظرية التهديد» بقوة. ذكر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن نحو 47% من صادرات الأسلحة الأمريكية ذهبت إلى الشرق الأوسط في الفترة 2016-2020، وهناك زيادة كبيرة في صادرات الأسلحة الأمريكية إلى بعض دول في المنطقة بين 2011-2015 و2016-2020، حيث زادت الصادرات إلى إسرائيل بنسبة 335%.
و«نظرية التهديد» مُحرضة على سباق التسلح العالمي. فقد أعلنت الصين في مارس 2025، زيادة في ميزانيتها العسكرية لعام 2025 بنسبة 7.2% في ظل «الخصومة» الجيوسياسية المتصاعدة مع الولايات المتحدة والتوتر مع تايوان، وتعتزم الصين إنفاق 245 مليار دولار على الدفاع، وتعتزم الولايات المتحدة زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 13% ليصل إلى 1.01 تريليون دولار في سنة 2026 المالية، والأوروبيون يتحدثون عن إنفاق 500 مليار يورو للشؤون العسكرية، وروسيا اعتمدت ميزانية عسكرية سرية بها زيادات. و«نظرية التهديد» تُفاقم «التَصوّر» الشعبي الأمريكي بوجود «تهديد خارجي»، لِذا، نمت دعوات «العُزلة» في الولايات المتحدة، وهذا يؤدي إلى تراجع قواعد تشاركية عالمية ايجابية مثل، «الأمن الجماعي»، «المجتمع الدولي»، «التعاون الدولي»، «التنمية الدولية»، «السلام العالمي». فقد أعلن السيناتور الجمهوري الأمريكي (مايك لي) مشروع قانون مُقدم لمجلس الشيوخ الأمريكي لانسحاب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة ووقف تمويلها، وكتب في مقال له: «إن المشروع يقترح الانسحاب الكامل من الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، ووقف تمويلها وإلغاء الاتفاق مع الأمم المتحدة والذي يمنحها حق الحصول على مقر رسمي في نيويورك، وإنهاء الحصانة الدبلوماسية لموظفي المنظمة في الولايات المتحدة، وعدم مشاركة واشنطن في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ومنع السلطة التنفيذية الأمريكية، من (توقيع أي اتفاق حول استئناف العضوية في الأمم المتحدة أو المنظمات التابعة لها دون موافقة مجلس الشيوخ)».
«نظرية التهديد» غير مناسبة للعَصر «التشاركي»، تفشل في تفسير النزاعات بصورة حقيقية، وتُعطي «الفاعل السياسي» القُدرة على تفجير الحرب حين يحلو له، وتصنع تحالفات عسكرية متضادة، مُحفزة على تطوير الأسلحة، وتجعل من السياسة «مُضاربات» في «سوق مالية»، وقد تخلق «هيمنة» لطرف، لكنها مؤقتة، لكونها تحمل في أحشائها بذرة دمار، وهذا مُعجل بانهيارات مالية، وإفلاسات، واضطرابات. وإذن، «نظرية التهديد» أصبحت «مُهَدِّدة» لميثاق الأمم المتحدة، أساس العلاقات الدولية، ولنظام «دولة الرفاه»، التنمية المدنية الشاملة، ولتحقيق مجتمع دولي آمن ومُستقر ووادِع وأسلوب عَمل وحياة انساني.

[email protected]