علياء المسيبي*
في اليوم العالمي للعمل الإنساني، نستذكر تاريخ هذا المجال، ونعود إلى عام 1863 حين ظهر مفهوم العمل الإنساني بصورته المؤسسية لأول مرة مع تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ثم اعتماد اتفاقية جنيف الأولى عام 1864 كإطار قانوني لحماية الجرحى والطواقم العاملة والمدنيين في النزاعات. كان هذا التحول نحو إرساء العمل على أسس مؤسسية بمثابة اختراع اجتماعي وأخلاقي استجاب لحاجة المجتمعات لحماية الضحايا والمهمشين، ووضع الأسس الأولى لفكرة أن للإنسان حقاً أصيلاً في الرعاية والحماية والكرامة، بصرف النظر عن انتمائه أو موقعه.
لقد أثبتت تلك الأسس فاعليتها لعقود، فكانت وراء إنقاذ الملايين وتثبيت مبدأ الحماية في ضمير العالم. وعلى مر السنين، كان لكل مؤسسة وكل مبادرة إنسانية أسبابها وغاياتها، وسعت لتغيير حياة الناس نحو الأفضل. لقد حاولنا، ولا نزال، أن نجعل الإنسانية أقوى وأكثر عدلاً، لكننا نقف اليوم أمام تحديات أكبر، ونحن مطالبون بأن نضاعف جهودنا. ليس لأن ما قدمناه كان ناقصاً، بل لأن حجم التحديات يتطلب منا أن نتكاتف أكثر، وأن نبحث عن أدوات جديدة نوظفها في خدمة الجهود الإنسانية.
لقد تصاعدت الأزمات الإنسانية بوتيرة غير مسبوقة خلال العقود القليلة الماضية. فقد ازداد عدد الفقراء واللاجئين وضحايا الحروب، وتُستهدف طواقم الإسعاف والصحافة والدفاع المدني بلا حساب، واتسعت رقعة المجاعة والمعاناة. واليوم، هناك أكثر من 114 مليون لاجئ ونازح، وأكثر من 700 مليون إنسان يعيشون في فقر مدقع، ونحو 45 مليون طفل دون سن الخامسة مهددون بسوء التغذية الحاد، بينما يموت 11 طفلاً كل دقيقة بسبب الجوع. وهذا يعني أن استمرار العمل بالأساليب القديمة نفسها يعني القبول بأن تبقى الاستجابة الإنسانية رد فعل متأخراً بدل أن تكون وقاية واستباقاً.
إن الاستجابة الأكثر فاعلية لهذه التحديات تبدأ من إعادة النظر في الأدوات والأنظمة المتاحة لنا اليوم، ونبحث عن طرق أفضل لتوظيفها بفاعلية لخدمة الإنسان. فالعمل الإنساني في عصرنا أصبح مرهوناً بالقدرة على التنظيم والابتكار وبناء شبكات تعاون عابرة للحدود، واستثمار التكنولوجيا والموارد بأقصى طاقتها.
إلى جانب ذلك، برزت قوى ناشئة تتحرك تحت عناوين حماية المناخ ومكافحة التصحر، وهي قضايا مرتبطة جوهرياً بالعمل الإنساني. فعندما نتحدث عن اللاجئين والمجاعات، فإننا نتحدث أيضاً عن منازل غمرتها الفيضانات، وحقول جفّت بسبب التصحر، وعواصف دمّرت البنية التحتية. حماية البيئة لم تعد رفاهية، بل خط الدفاع الأول عن الإنسان.
لكن امتلاك هذه الأدوات وحده لا يكفي؛ فالأثر الحقيقي يحدث عندما تعمل جميعها ضمن منظومة منسقة تتبادل البيانات والخطط والموارد، بدل أن تتحرك في مسارات معزولة. فعندما يغيب التنسيق، نرى المساعدات تتكدس في مناطق، وتغيب تماماً عن أخرى، ونرى جهود الإنقاذ تعرقلها البيروقراطية بدل أن تسابق الزمن لإنقاذ الأرواح.
إن ما كان ينفع بالأمس لم يعد كافياً اليوم. نحن بحاجة إلى رؤية جديدة تمزج بين التكنولوجيا والإنسانية، وبين التخطيط السريع والاستجابة العميقة، وبين البيانات والتوزيع الفعّال للمساعدات، وبين الذكاء الاصطناعي والحكمة البشرية. هذه الرؤية باتت تشكل الآن شرطاً أساسياً لضمان أن يحصل الإنسان على حقه في الأمان والكرامة.
التحديات هائلة، لكن القدرة على مواجهتها أكبر إذا اخترنا أن نفتح قنوات الثقة والتنسيق بيننا. فالإنسانية ليست مجرد شعار جميل، بل مسؤولية مشتركة، وأمامنا فرصة لنثبت أننا نستحق اسمها. واليوم، لا غداً، هو الوقت للعمل معاً.
* مدير مؤسسة القلب الكبير