في زاوية بعيدة من مدينة مزدحمة، تُطفئ أمٌّ مصباح غرفة الجلوس باكراً، لا أحد يذهب للنوم، لكن فاتورة الكهرباء تنتظر التسديد، والمبلغ غير متوفر. في المطبخ، تُقسّم بقايا العَشاء على طفلين، وفي درج الأدوية يتبقى شريطٌ ناقصٌ لدواءٍ تأخر شراؤه، لأن موعد الإيجار يقترب، ولا يمكن القيام بالمهمتين معاً. هذه القصة هي مشهدٌ يومي يتكرّر بصمتٍ في بيوتٍ كثيرة، حين تختنق الحياة، بسبب فجوة مالية ضيقة، تأتي في أكثر اللحظات حرجاً.
لكن، حين تصل مساعدة نقدية صغيرة في هذا الظرف، يتغيّر المشهد. تُدفع أجرة الحافلة، فيعود الطفل إلى مقعده الدراسي، تُشترى الجرعة الأخيرة من الدواء قبل أن تتدهور الحالة الصحية، وتُسدد الدفعة المتأخرة للإيجار، فتستمر العائلة في منزلها. يطلق العاملون في ميدان العمل الإنساني على هذه اللحظة الحاسمة «أثر الدقائق الأخيرة»، ذلك التدخل الصغير، السريع، الذي لا يُغيّر الواقع جذرياً، لكنه يُبقي شيئاً أساسياً على قيد الحياة، تعليم وعلاج وغذاء وسقف يحمي العائلة.
ومع أهمية هذه التدخلات السريعة، يظل الأثر الأعمق للعمل الخيري في انتظامه واستدامته، وليس في حضوره المتقطع وقت الأزمات فقط. لأن الكرامة الإنسانية لا تعني النجدة عند الرمق الأخير، بل الرعاية التي تسبق الحاجة وتمنع الانهيار. ينبغي ألا يُترك المحتاج وحيداً على حافة الانقطاع، بانتظار تحويل عاجل أو حملة موسمية، بل الأجدى أن نعيد التفكير في نمط العطاء نفسه، أن ننتقل من منطق الإنقاذ اللحظي إلى منطق البناء المتواصل.
ولتحقيق هذا التحول، لا نحتاج بالضرورة إلى مصادر دخل جديدة، بل إلى وعي جديد بما لدينا أصلاً. وقفة تأمل واحدة في نفقاتنا ومصاريفنا اليومية وبكيفية جدولتها والاستغناء عن غير الضروري منها، قادرة على أن تصنع فارقاً حقيقياً في حياة آخرين.
العمل الخيري الفردي أصبح اليوم رافداً أساسياً في دعم المجتمعات واستنهاض طاقاتها بوصفه شريكاً فاعلاً في التنمية والاستجابة الإنسانية. فهذا الرافد، بتنوع مصادره ومبادراته، يُكمل جهود الحكومات والمنظمات الإنسانية الكبرى، ويمنحها العمق المجتمعي اللازم لتأدية أدوارها. فالمؤسسات مهما بلغت قدرتها، لا تستطيع وحدها أن تغطي كافة الفجوات، ما لم يلتفّ الناس حولها، حاملين حسّهم بالمسؤولية، ومبادرين بالفعل، ومشاركين في رسم مسارات الحل.
وتعمل مؤسسة القلب الكبير على تجسيد هذه المبادئ في الواقع العملي، من خلال حملات مصممة وفقاً لاحتياجات كل حالة، ومن خلال تحفيز الأفراد والمجتمعات والقطاعين العام والخاص للقيام كل بواجبه على قاعدة أن كل فجوة صغيرة تسدّ في وقتها تنقذ حياة، وتفتح أفقاً، مجتمعاً.
في اليوم الدولي للعمل الخيري، لنتذكر أن مسؤوليتنا جميعاً، كأفراد ومؤسسات ومجتمعات، أن نُبقي أبواب هذه البيوت مفتوحة، ومطابخها عامرة، وأضواءها مضيئة، وأطفالها آمنين تحت سقف مستقر.
علياء المسيبي*
في اليوم العالمي للعمل الإنساني، نستذكر تاريخ هذا المجال، ونعود إلى عام 1863 حين ظهر مفهوم العمل الإنساني بصورته المؤسسية لأول مرة مع تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ثم اعتماد اتفاقية جنيف الأولى عام 1864 كإطار قانوني لحماية الجرحى والطواقم العاملة والمدنيين في النزاعات. كان هذا التحول نحو إرساء العمل على أسس مؤسسية بمثابة اختراع اجتماعي وأخلاقي استجاب لحاجة المجتمعات لحماية الضحايا والمهمشين، ووضع الأسس الأولى لفكرة أن للإنسان حقاً أصيلاً في الرعاية والحماية والكرامة، بصرف النظر عن انتمائه أو موقعه.
لقد أثبتت تلك الأسس فاعليتها لعقود، فكانت وراء إنقاذ الملايين وتثبيت مبدأ الحماية في ضمير العالم. وعلى مر السنين، كان لكل مؤسسة وكل مبادرة إنسانية أسبابها وغاياتها، وسعت لتغيير حياة الناس نحو الأفضل. لقد حاولنا، ولا نزال، أن نجعل الإنسانية أقوى وأكثر عدلاً، لكننا نقف اليوم أمام تحديات أكبر، ونحن مطالبون بأن نضاعف جهودنا. ليس لأن ما قدمناه كان ناقصاً، بل لأن حجم التحديات يتطلب منا أن نتكاتف أكثر، وأن نبحث عن أدوات جديدة نوظفها في خدمة الجهود الإنسانية.
لقد تصاعدت الأزمات الإنسانية بوتيرة غير مسبوقة خلال العقود القليلة الماضية. فقد ازداد عدد الفقراء واللاجئين وضحايا الحروب، وتُستهدف طواقم الإسعاف والصحافة والدفاع المدني بلا حساب، واتسعت رقعة المجاعة والمعاناة. واليوم، هناك أكثر من 114 مليون لاجئ ونازح، وأكثر من 700 مليون إنسان يعيشون في فقر مدقع، ونحو 45 مليون طفل دون سن الخامسة مهددون بسوء التغذية الحاد، بينما يموت 11 طفلاً كل دقيقة بسبب الجوع. وهذا يعني أن استمرار العمل بالأساليب القديمة نفسها يعني القبول بأن تبقى الاستجابة الإنسانية رد فعل متأخراً بدل أن تكون وقاية واستباقاً.
إن الاستجابة الأكثر فاعلية لهذه التحديات تبدأ من إعادة النظر في الأدوات والأنظمة المتاحة لنا اليوم، ونبحث عن طرق أفضل لتوظيفها بفاعلية لخدمة الإنسان. فالعمل الإنساني في عصرنا أصبح مرهوناً بالقدرة على التنظيم والابتكار وبناء شبكات تعاون عابرة للحدود، واستثمار التكنولوجيا والموارد بأقصى طاقتها.
إلى جانب ذلك، برزت قوى ناشئة تتحرك تحت عناوين حماية المناخ ومكافحة التصحر، وهي قضايا مرتبطة جوهرياً بالعمل الإنساني. فعندما نتحدث عن اللاجئين والمجاعات، فإننا نتحدث أيضاً عن منازل غمرتها الفيضانات، وحقول جفّت بسبب التصحر، وعواصف دمّرت البنية التحتية. حماية البيئة لم تعد رفاهية، بل خط الدفاع الأول عن الإنسان.
لكن امتلاك هذه الأدوات وحده لا يكفي؛ فالأثر الحقيقي يحدث عندما تعمل جميعها ضمن منظومة منسقة تتبادل البيانات والخطط والموارد، بدل أن تتحرك في مسارات معزولة. فعندما يغيب التنسيق، نرى المساعدات تتكدس في مناطق، وتغيب تماماً عن أخرى، ونرى جهود الإنقاذ تعرقلها البيروقراطية بدل أن تسابق الزمن لإنقاذ الأرواح.
إن ما كان ينفع بالأمس لم يعد كافياً اليوم. نحن بحاجة إلى رؤية جديدة تمزج بين التكنولوجيا والإنسانية، وبين التخطيط السريع والاستجابة العميقة، وبين البيانات والتوزيع الفعّال للمساعدات، وبين الذكاء الاصطناعي والحكمة البشرية. هذه الرؤية باتت تشكل الآن شرطاً أساسياً لضمان أن يحصل الإنسان على حقه في الأمان والكرامة.
التحديات هائلة، لكن القدرة على مواجهتها أكبر إذا اخترنا أن نفتح قنوات الثقة والتنسيق بيننا. فالإنسانية ليست مجرد شعار جميل، بل مسؤولية مشتركة، وأمامنا فرصة لنثبت أننا نستحق اسمها. واليوم، لا غداً، هو الوقت للعمل معاً.
* مدير مؤسسة القلب الكبير
تُصنَّف ضروريات العيش الإنساني الكريم في عالم اليوم على أنها: الغذاء، المأوى، التعليم، الرعاية الصحية، والأمان، فهذا ما اتفق البشر عليه كأساس للحياة، لكن الحقيقة التي نغفل عنها كثيراً، هي أن مفهوم «الضرورة» ليس ثابتاً، بل يتغيّر تبعاً لموقعنا من العالم، وأحياناً تبعاً لهويتنا.
يظهر ذلك واضحاً، ونحن نقارن بين مجتمعات الاستقرار ومجتمعات اللاجئين، ففي الأولى تصبح الضروريات بديهية، ومع الوقت، نرتقي إلى حاجات جديدة أكثر وعياً وإنسانية، فنحتاج إلى حرية التعبير، الإبداع، النمو الشخصي، وتحقيق الذات، أما في مجتمعات اللاجئين، فالضروريات تتغير، والمفارقة أنها تتضاعف لتعادل حجم الفقد، لتتحول إلى أن تصبح حاجة إلى البيت، والذكريات، والمدرسة، والحماية، والحلم البسيط بالمستقبل، احتياج لا يسده إلا تضامن إنساني يُعيد للروح شيئاً من طمأنينتها.
يعيدنا هذا الواقع إلى واحدة من أعمدة العمل الإنساني التي يجب التنبّه إليها ونحن نمدّ يد العون للمحتاجين أو اللاجئين، وهي حقيقة الفرق بين «تلبية الحاجات الأساسية» و«إعادة بناء الإنسان»، فهذه الحقيقة تدعونا لإعادة النظر بمعنى «شروط الحياة الإنسانية»، إذ تتقدم حينها مفاهيم الكرامة، والاحترام، والحق بتقرير المصير على الكثير من مفاهيم ضرورات العيش، وتصبح الحاجة ليس للبقاء وإنما للإحساس بمعنى الحياة. حين تُنتزع الكرامة من الإنسان، تفقد ضرورات العيش معناها، وبالتالي يفقد دعم الغذاء والدواء والمأوى قيمته وأثره، إذ لا معنى لأي استجابة إنسانية إن لم تحافظ على احترام الفرد وحقه في أن يكون جزءاً ومساهماً في تجاوز محنته.
ولهذا المعنى قيمته، لأن ما يُبقي الإنسان حيّاً في الداخل ليس الخبز والماء فقط، بل ما يُبقي أي إنسان على قيد الأمل والرغبة بالحياة، هو: الشغف، الفن، القدرة على اتخاذ القرار، التعبير، والخيال، لهذا نؤكد دائماً في «مؤسسة القلب الكبير» أن اللاجئين ليسوا «ملفاً خاصاً»، ولا «قضية حساسة»، أو«استثناءً إنسانيّاً» ومهمتنا ومسؤوليتنا تجاههم لا تنتهي بتقديم ما يجعل أجسادهم على قيد الحياة، بل واجبنا كذلك أن نتضامن لتظل أرواحهم حيّة، وأن نتيح لهم المجال ليكونوا جزءاً من صناعة مستقبلهم ومستقبلنا كبشر ومجتمعات على هذه الأرض.
وبتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وبدعم لا يتوقف من قرينة سموه، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة مؤسسة القلب الكبير، نضع هذا المبدأ في صميم كل مشروع، ونُحاسب أنفسنا ونسأل: هل حافظنا على الكرامة؟ هل استمعنا؟ هل أفسحنا المجال ليكون الإنسان في صميم الحل، لا على هامشه؟
في اليوم العالمي للاجئين، دعوتنا واضحة: لنُعد تعريف ما نعنيه بالدعم، لنُدرج الكرامة ضمن معايير النجاح، لا في هوامش الخطاب.لأن الإنسان بلا كرامة، لا يستطيع أن ينهض.
ولأننا إن سلبنا الكرامة من الآخرين، فقدنا نحن إنسانيتنا.