في ظل الحراك الدبلوماسي على مستوى القمة بين الرئيس الأمريكي ونظيره الروسي أولاً، ولاحقاً مع الرئيس الأوكراني وقادة أوروبيين، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن بلاده تؤكد على ضرورة مراعاة مصالحها الأمنية في أي اتفاق سلام قد يعقد. وذهب لافروف إلى أنه «من دون احترام المصالح الأمنية لروسيا ومن دون الاحترام الكامل لحقوق الروس والناطقين بالروسية المقيمين في أوكرانيا، لا يمكن الحديث عن اتفاق طويل الأمد، لأنه ينبغي القضاء على المشكلة من جذورها على نحو عاجل في إطار أي تسوية».
هذا المطلب الروسي يقابله مطلب أوكراني واضح بضرورة المحافظة على وحدة البلاد، وسيادتها وأمنها، بما يعني استرداد الأراضي التي سيطرت عليها روسيا في الحرب التي اندلعت في فبراير من العام 2022، وكذلك شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في العام 2014.
هذه المطالب الأمنية المتقابلة تبدو متعارضة تماماً، خاصة في ظل وجود إدراكات مسبقة حتى قبل أن تنشب الحرب بخصوص التهديدات المتبادلة، فروسيا كانت قد طالبت بضمانات أمنية من كل من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «الناتو» قبل الحرب، لكن لم يتم الإنصات لمطالبها، وأوكرانيا من جانبها ترى أن من حقها أن تختار نمط توجهاتها وتحالفاتها، ومن ثم حرية الانضمام إلى كل من الاتحاد الأوروبي و«الناتو»، بينما ترى روسيا أن هناك خطاً أحمر لتوسع الحلف، بحيث لا تكون أوكرانيا ضمن أعضائه.
المعادلات الآن على أرض الواقع مختلفة عما كان عليه الحال قبل اندلاع الحرب. يشمل ذلك الشق العسكري والشق السياسي أيضاً، خاصة على ضوء تحولات الموقف الأمريكي، ومن ثم فإن طرق التعامل مع المخاوف الأمنية لكلا الطرفين ستكون محكومة إلى حد كبير بهذه المعادلات الجديدة.
على الأغلب فإن روسيا سوف ترفع سقف المطالب، وأوكرانيا من جانبها ستحاول مقاومة الضغوط. وهنا سيأتي دور الأطراف الأخرى. ويبدو أن الأوروبيين قد بدأوا في الحديث بلهجة أخف في ما يتعلق بالتنازلات التي قد تقدمها أوكرانيا، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يواصل انتقاد الرئيس الروسي قال إن أوكرانيا «ستقوم بالتنازلات التي تراها صائبة»، مرجعاً الأمر إلى كييف، وهذا يختلف كثيراً عما كان ينادي به ماكرون من ضرورة إلحاق «هزيمة استراتيجية» بروسيا.
لا شك في أن الموقف الأمريكي كان له الدور الحاسم في هذه التفاعلات الأخيرة بخصوص الملف الأوكراني. فإلى ماذا ستفضي هذه التفاعلات؟ وهل العالم بانتظار سلام دائم في أوروبا أم تهدئة مؤقتة قد يتأجج بعدها الصراع ثانية؟ الأمر مرهون بإرادات الدول المعنية بشكل مباشر وغير مباشر، وبما سيتم الاتفاق عليه، وبضمانات تنفيذ ما يتفق عليه، بما في ذلك الضمانات الأمنية. وفي هذا الإطار فإن أفكاراً بدأت تطرح من قبيل ما تحدث عنه الأمين العام لحلف الناتو مارك روته من أنه يتم العمل على صياغة إطار عام لضمانات أمنية تقدم لأوكرانيا، وأن ثلاثين دولة تعمل معاً في هذا السياق، من بينها دول من خارج القارة الأوروبية مثل أستراليا واليابان. قد لا يكون الأمر مرتبطاً بصياغات قانونية حول الضمانات بقدر ما هو قبول متبادل من الطرفين المتحاربين لهذه الضمانات.
الأمن عقدة التسوية في أوكرانيا
22 أغسطس 2025 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 أغسطس 00:03 2025
شارك