أليس على أهل اللغة والمثقفين والمناهج، أن يجودوا ببعض وقتهم للتفكير في الأعراض الجانبية المحتملة، للذكاء الاصطناعي على سلامة اللسان العربي؟ كان القياس سهلاً بعد ظهور الآثار في مجال الطبّ. الفئات المذكورة لا تحتاج إلى براهين على أن لغتنا ليست في أزهى أيّامها. في الأقلّ وأضعف الإيمان، لا يغيبنّ الاستشراف اللغوي، إذا غاب الاستشراف الإداري التنموي والعلميّ عن جلّ المضارب العربية.
أمس، أرتنا الدراسة البولندية أن الأطباء تنخفض خبراتهم عندما يستعينون بالذكاء الاصطناعي، مع أن النتائج في النهاية أفضل وأدق وأسرع بفضل ذكاء الآلة، خصوصاً في الأمراض المستعصية. الحلّ المثالي إذاً، هو أن يُستعان بالخوارزميات، من دون أن يفقد الطبيب، ولو مثقال ذرّة من خبرته ومهارته. وسائط الإعلام براء من البحث عن الحلول، فأهل الاختصاص أدرى بالخلاص. لكن، ألا تَرى المقارنة فاغرةً فاها؟: يا ويلتاه، يعني أن الكُتّاب والشعراء الذين يستعينون بالخوارزميات، في التدقيق اللغوي وإعادة الصياغة، وفي فنون التحرير الإعلامي، سينخفض منسوب تقنيات التعبير وجماليّاته لديهم؟ أمّا المؤرخون العرب فهم مستثنون من هذه المخمصة، فكتابة التاريخ تنازل عنها المشتغلون بها للذين يكتبون التاريخ المضادّ للعرب.
الخيال الكاريكاتوري مفيد في إذكاء الاستشراف. لك أن تتصوّر مثلاً، مشاهد القدرات التعبيرية بالحرف والكلمة، بعد عقدين أو ثلاثة. في هذه الأثناء، إذا صحّ أن الخبرات اللغوية ستنخفض لا محالة، فإن العربية في مجالات شتى، وحتى في المراسلات الإدارية بين الوزارات والمؤسسات، ستورث العالم العربي عشرات الملايين من غير القادرين على كتابة لغتهم الأم حتى في الأمور العادية، وسيكون للميادين الإبداعية نصيب شظايا من هذه الكمائن.
كالعادة، في كل مأساة شذرات من ملهاة. تفاءلوا بالشفاء تجدوه، فإذا صار كُتّاب الأغاني يعهدون إلى الذكاء الاصطناعي بكتابة نصوص الأغاني، وهو الذي يمتلك كلمات الأغاني في جميع اللغات، فسوف يهوي بمهنّد صارم على الهبوط، ويجعل الملحنين الجيّدين يبدعون، ولا يرتضون لإبداعهم حناجر دون المستوى. سيصغي العرب إلى أشعار أغان، هي شهد مصفّى، مختلف ألوانه، مستلهم من روائع الشعر العربي، متناغمة مع بدائع أسرتي سونغ وتانغ الصينيتين، وجلال الدين وحافظ الشيرازي، ولامارتين وألفريد دوفينيي. وهكذا ستكون القصة القصيرة والرواية والمسرح، وهلم إبداعاً بالذكاء الاصطناعي... ربّ ضارّة سارّة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التفاؤلية: إذا أخذ الذكاء الاصطناعي زمام التعبير الإبداعي، فسوف يقول للمواهب الزائفة، متمثلاً بقول الحطيئة: «تنحّيْ واقعدي منّي بعيداً».
[email protected]