يا لَغرابة الرموز التي نتداولها ونصرّ على وضعها كشعارات لا تتبدل في حياتنا وتتحكم في وعينا، كأنها نصبت في عقولنا رايات لا يمكن الاختلاف عليها، وصرنا نلجأ لها بلا وعي ولا مساءلة. كم تأملتُ طويلاً، وأنا أمسك القلم وأحاور نفسي، في سر هذه الصور التي انتُخبت دون سواها لتجسد المعاني الكبرى في حياتنا مثل العبقرية والجمال والصحة وغيرها.
لماذا صارت العبقرية في المخيال الجمعي وجه أينشتاين وشعره وتمرده؟ لماذا يُختصر الجمال في صور نساء من الغرب بعيون زرقاء أو شعر ذهبي؟ لماذا رمز الطب عصا أسكليبيوس التي تلتف حولها أفعى؟
أسأل نفسي وأنا أكتب هذه الكلمات، هل هذه الرموز تعبر عن ثقافتنا؟ هل هي محض مصادفة؟ أم أنها اختيارات تمخضت عنها القرون وصارت أشبه بقوانين صامتة تسكن الوعي وتوجّه الذوق وتُشكّل الطموح؟
لنأخذ صورة أينشتاين مثلاً، والتي لابد أن تظهر لنا كلما كتبنا عن الذكاء أو رغبنا في الترويج للعبقرية. رجل متوّج بشعر منفوش وعينين تحدقان وهما تحملان مسحة جنون طفولي تحول إلى أيقونة العبقرية في كل زمان ومكان في الشرق وفي الغرب، وفي هذا ظلم لآلاف العقول التي أنارت العالم قبله ووضعت بين أيدينا اكتشافات واختراعات تزيد عن نظريته وحسابات ذكائه.
والسؤال هنا عما إذا كانت العبقرية حكراً على هذا النموذج وحده؟ وماذا عن العلماء المسلمين الذين صاغوا أصول الرياضيات والبصريات؟ ماذا عن النساء العالمات اللواتي طُمس ذكرهن؟ ماذا عن المجهولين الذين عاشوا وماتوا وهم يحملون نوراً لم يلمحه أحد؟
وأما الجمال، فلماذا نجعله مرادفاً لصور عارضات من الغرب، بملامح مصقولة بفن الإعلانات ومساحيق التجميل؟ أليس في ذلك طمسٌ لثراء الإنسانية؟ أليس الجمال في عيون تتوهج بالعاطفة.. في بشرة خالية من المساحيق التجميلية.. في التجاعيد التي نقشها الزمن على وجوه الجدات كخرائط حياة.
وماذا عن رمز الطب؟ رمز قديم من أساطير الإغريق عن أفعى تلتف حول عصا لا يزال حاضراً في شعارات الجامعات والصيدليات والكليات. أليس عجيباً أن ترمز الأفعى، هذا الكائن الذي جمع في وعينا بين الحكمة والسم، لمهنة إنقاذ الأرواح؟ أليس في ذلك تذكيرٌ خفي بأن الطب قوة مزدوجة تشفي وتقتل؟
كل هذه الرموز علمتنا أن نختصر المعاني العظيمة في صور ضيقة، أن نؤطر اللامحدود في قالبٍ جامد.
لكنها أيضاً دعوة مفتوحة للتساؤل عن الرمز والهوية، لماذا لا نعيد رسم رموزنا؟ لماذا لا نُعيد للجمال طبيعته المتنوعة؟ ولــماذا لا نُعيد للطب رمزه الإنساني، يداً حانية لا أفعى سامة؟

[email protected]