مع اتساع آفاق العمل والتعليم عن بعد، لم يعد هذا التحول مجرد خيار تقني عابر، بل غدا رؤية فلسفية جديدة تعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته ووقته وبالمعرفة وسبل تحصيلها. إنه انتقال هادئ من حضور الجسد إلى يقظة الذهن، ومن التشتت في صخب الخارج إلى غوص عميق في عوالم الداخل؛ حيث تتاح للإنسان فرصة نادرة ليعيد تشكيل صلته بالمعرفة، ويصالح ذاته، ويعيد اكتشاف العالم من حوله بعين أكثر وعياً واتساعاً.
ومع انغماسه في فضائه الخاص، بعيداً عن صخب الأماكن التقليدية، تنشأ حالة من الصفاء الذهني تشبه إلى حد كبير لحظات التأمل، فالهدوء ليس فراغاً، بل امتلاء من نوع آخر وتركيز مكثف تتجه فيه الطاقة الذهنية إلى جوهر المهمة بدل أن تتشتت بين المثيرات المحيطة وهو ما يمنح الإنسان فرصة إعادة اكتشاف قدرته على الغوص في الفكرة، لا مجرد المرور السريع عليها.
ولم يعد التركيز في بيئة العمل أو الدراسة عن بعد مجرد مهارة، بل نتيجة طبيعية لامتلاك زمام الوقت والتحكم فيه، فالمرونة التي يوفرها هذا النمط تتيح للفرد العمل في أوقات ذروة نشاطه الذهني؛ حيث تكون قدرته على التحليل والاستيعاب في أعلى مستوياتها.
كما يسهم في تنمية مهارة «القراءة مع الاستماع»، وهي مهارة مركبة تجمع بين استقبال المعلومات بصرياً وسمعياً في آن واحد والقدرة على الاستفادة منهما معاً. فعندما يتابع الطالب محاضرة مسجلة، أو يقرأ مادة علمية مصحوبة بشرح صوتي، تنشط لديه مسارات معرفية متعددة، تعزز الفهم وتثبت المعلومة في ذاكرته.
ويفرض هذا النمط على الفرد تطوير مجموعة من المهارات الذاتية، مثل إدارة الوقت، والانضباط الذاتي، والقدرة على التعلم المستقل والشعور بالحرية والقدرة على الاختيار، فغياب الرقابة المباشرة لا يعني الفوضى، بل يستدعي وعياً أعلى بالمسؤولية، ليتحول الفرد من متلقٍّ سلبي إلى فاعل نشط، يصنع مساره المعرفي بيده، ويمضي على مسار التعليم المستمر.
ومن زاوية فلسفية أعمق، يمكن القول إن العمل والدراسة عن بعد يعيدان تعريف مفهوم «المكان» الذي لم يعد شرطاً للإنتاج، بل أصبح مجرد إطار يمكن تجاوزه. وهذا التحرر يمنح الإنسان شعوراً بالاستقلال ويعيد ترتيب أولوياته.
ولا يمكن إغفال البعد الإبداعي في هذه التجربة؛ إذ إن العزلة النسبية التي يوفرها البعد تفتح المجال أمام التفكير الحر، بعيداً عن القيود الاجتماعية المباشرة؛ فتنمو الأفكار وتتبلور الرؤى ويجد الفرد صوته الخاص في الدراسة والعمل عن بُعد اللذين لم يعودا مجرد بديل مؤقت، بل انتقال من الكم إلى الكيف.
الخوف هو ما يجعل الإنسان أكثر وعياً بذاته ففي لحظة الخوف، يسقط القناع، وتتعرى النفس من تبريراتها، لأنه يكشف ولا يخفي. لذلك، فإن الأدب الذي ينجح في تصوير الخوف، لا يقدم مجرد تجربة مرعبة، بل تجربة معرفية.
والخوف في الأدب ليس عدواً، بل دليل يشير دائماً إلى حقيقة لم تواجه بعد وإلى إنسان لم يكتمل.
لم يكتب الأدباء العظام عن الخوف ليرعبوا القارئ، بل ليضعوه أمام ذاته. وجعلوا من الخوف مادة جمالية، حولوه من ارتعاش داخلي إلى بناء فني، من تجربة فردية إلى لغة مشتركة. لقد أخذوا أكثر مشاعر الإنسان هشاشة، وصاغوها في أكثر الأشكال صلابة وهو النص.
ومنذ الأساطير الأولى، حيث كانت الطبيعة نفسها مصدر رعب لا يفسر، بدأ الإنسان يكتب خوفه. لم يكتبه ليحكي عنه فحسب، بل ليروضه، ويضعه خارج ذاته ولو للحظة. وهنا تحديداً تبدأ العلاقة الفلسفية بين الأدب والخوف، فالأدب لا يلغي الخوف، بل يمنحه لغة.
وبذلك لم يعد الخوف مجرد انفعال عابر يمر بالقلب كغيمة صيفية، بل هو أحد أعمق الطبقات التي تتكون منها النفس البشرية. إنه ذلك الصوت الخافت الذي يسبق الكلمات، والارتعاشة التي تسكن ما بين الفكرة وتحققها.
وارتبط الخوف في الأدب الكلاسيكي بالمصير، فالإنسان في مآسي سوفوكليس، لم يكن يخاف الوحش، بل يخاف الحقيقة حين تنكشف ومأساة «أوديب» لم تكن في أفعاله، بل في معرفته التي كانت مصدراً للرعب، وكأن الحقيقة، حين ترى كاملة، لا تحتمل.
وبلغ التحول من الخوف الخارجي إلى الخوف الداخلي ذروته لاحقاً في أعمال ويليام شكسبير في مسرحية «ماكبث» التي تخبرنا بأن الرعب لا يأتي من الأشباح وحدها، بل من الضمير الذي لا يصمت.
ومع دخول الأدب إلى العصر الحديث، بدأ الخوف يأخذ شكلاً أكثر تعقيداً، وأكثر التصاقاً بالوجود ذاته ونقل «فرانز كافكا» الخوف إلى مستوى أكثر غرابة ففي «المسخ» لم يكن الخوف من حدث بعينه، بل من فقدان المعنى، أن تستيقظ يوماً فتجد نفسك غريباً عن ذاتك، عن جسدك، عن العالم. هذا هو الرعب الذي يبقى بلا تفسير، وبلا مخرج.
ولم يغب عن الأدب العربي، بل اتخذ أشكالاً متعددة، فهو يظهر كجزء من الحياة اليومية، أو كقلق اجتماعي وسياسي.إن الأدب العظيم لا يخيفك بما يحدث، بل بما قد يحدث، وما يظل معلقاً فالخوف الحقيقي ليس في الصدمة، بل في انتظار ما سيحدث.
[email protected]
د. باسمة يونس
بدأت القراءة كنافذة صغيرة يطل منها الإنسان على العالم، ثم أصبحت أفقاً مفتوحاً يعيد من خلاله تشكيل هذا العالم. ويتجلّى الفرق العميق بين نوعين من القراءة: القراءة الحرة والقراءة المتحررة، فالأولى هي اختيار ما نقرأ لتوسيع الأفق، والثانية الوعي بما نقرأ لتعميق الرؤية.
القراءة الحرة هي تلك اللحظة التي يمد فيها القارئ يده إلى كتاب ما ليبدأ معه صداقة دون تخطيط ويتنقل بين الكتب كما يتنقل بين المدن، يختار ما يشاء، ويترك ما يشاء، ويكتشف ذاته عبر ما يستهويه، حيث لا سلطة إلا للفضول، ولا معيار إلا للمتعة والمعرفة.
لكن هذه الحرية الجميلة تبقى سطحية إن لم تستكمل بخطوة التحرر، فالقراءة المتحررة ليست مجرد اختيار ما نقرأ، بل هي مساءلة ما نقرأ ولحظة يقف فيها القارئ أمام النص لا بوصفه مستهلكاً، بل شريكاً في إنتاج المعنى، لا يكتفي بالفهم، بل يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وهل يمكن أن يكون الأمر مختلفاً؟
في القراءة المتحررة، لا ينحني القارئ أمام الكلمات ويقبلها كما هي، بل يحاورها ويختبرها، وقد يعارضها، لأنه لا يبحث فقط عن المعنى الذي أراده الكاتب، بل عن المعاني الممكنة التي لم تكتب بعد لتصبح القراءة فعلاً إبداعياً لا يقل شأناً عن الكتابة نفسها.
والقراءة الحرة قد تمنحنا أجنحة لنطير لكن القراءة المتحررة تعلمنا كيف نوجه هذا الطيران، وهنا يأتي السؤال الجوهري، عن نوع القراءة التي نريد أن يتعلمها أبناؤنا؟
هل نريدهم قراء يملؤون أوقاتهم بالكتب، أم عقولاً قادرة على تفكيك العالم وإعادة تركيبه؟ هل نريدهم أن يستهلكوا المعرفة، أم يشاركوا في إنتاجها؟
إن الاكتفاء بتعليم القراءة الحرة وحدها، رغم أهميته، قد يخلق جيلاً قارئاً لكنه غير ناقد، واسع الاطلاع، لكنه محدود التأمل، يقفز مباشرة إلى القراءة المتحررة دون تأسيس حب القراءة، وهنا، يتحول النص إلى عبء، ويصبح التفكير النقدي مهمة ثقيلة بدل أن يكون متعة، والطريق الأمثل ليس في الاختيار بينهما، بل في جمعهما ضمن مسار تربوي متدرج يبدأ بقراءة حرة ومع نضج الطفل نفتح أمامه أبواب القراءة المتحررة، ليتعلم كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يرى ما وراء السطور.
نعلمه أن الكتاب وجهة نظر وأن الكاتب ليس سلطة، بل صوت من بين أصوات عديدة والقراءة ليست نهاية المعرفة، بل بدايتها.
إن هدفنا ليس تخريج قراء فقط، بل تخريج مفكرين، لم تُحشَ عقولهم بالمعلومات، بل بالقدرة على التفكير والعمق في الفهم وشجاعة التساؤل.
والقراءة التي نطمح إليها ليست مجرد فعل يومي، بل مشروع إنساني متكامل يبدأ بالحرية، وينضج بالتحرر، يبدأ بالاختيار، ويكتمل بالوعي. قراءة تجعل الإنسان لا يرى العالم كما هو فحسب، بل كما يمكن أن يكون.
[email protected]
د. باسمة يونس
الإنسان بطبيعته كائن قلق، يسكنه سؤال المعنى وتلاحقه هشاشة الزمن، ويثقل قلبه الشعور بعدم اليقين. وهنا يأتي الأدب والفن ليقوما بدور أشبه بالعلاج غير المرئي. فحين نقرأ رواية تعكس تجربة شخصية روائية تكافح من أجل الأمل وسط اليأس، أو عن شاعر يكتب عن الخسارة ثم يجد في الكلمات عزاء، فإننا نكتشف أن التجربة الإنسانية لا تختزل في الألم، بل تتجاوزه دائماً نحو معنى أعمق ويصبح الأدب مساحة للتضامن الإنساني غير المرئي، حيث تتقاطع أرواح القراء عبر الزمن والثقافات ونشعر أننا لسنا وحدنا في هذا العالم.
وحين نسمع لحناً يعبر عن حزننا أو فرحنا، يتخفف القلب من ثقله، فالفن في هذه اللحظة، لا يغير الواقع، لكنه يغير علاقتنا به وهذه هي أولى خطوات الشفاء النفسي. والأدب في جوهره هو فن الإصغاء إلى التجربة الإنسانية، والمرآة التي يرى فيها الإنسان نفسه.
ومنذ أن تعلم الإنسان أن يحكي ويرسم وينشد، بدأ يكتشف أن الأدب والفن ليسا ترفاً، بل ضرورة عميقة من ضرورات البقاء الروحي، وقبل أن يكونا أداة للتعبير الجمالي، فهما في جوهرهما ملاذ إنساني يرفع مستويات الطمأنينة في النفس ويمنح الأفراد قدرة على التوازن النفسي في مواجهة قلق الوجود وتقلبات الحياة.
إن قراءة قصيدة، أو التأمل في لوحة، أو الاستغراق في رواية، لا يُحدث فينا مجرد متعة عابرة، بل يُحدث نوعاً من التهدئة الداخلية، وكأن الكلمات والألوان والأصوات تعيد ترتيب الفوضى التي تتراكم في أعماقنا.
والطمأنينة شعور عميق بالانسجام مع الذات والعالم وهو الشعور الذي يمنحنا إياه الأدب والفن؛ لأنهما يخلقان مساحة رمزية نستطيع أن نتنفس فيها بعيداً عن ضجيج الواقع. فحين يدخل الإنسان عالماً روائياً أو يتأمل عملاً فنياً فإنه يبتعد عن ضغوط الحياة اليومية.
لقد تحدث الفلاسفة عن دور الجمال في تهذيب النفس؛ لأن الجمال، حين يدرك بصدق، يوقظ في الإنسان شعوراً خفياً بالسلام الداخلي. وهذا ما يفعله الأدب حين يحوّل التجربة الإنسانية بكل ما فيها من ألم أو قلق إلى لغة مفهومة قابلة للتأمل. فالألم حين يتحول إلى قصة، أو إلى قصيدة، يصبح قابلاً للفهم، وما يفهم يصبح أقل قسوة.
من هنا يمكن القول إن الأدب والفن يقدمان شكلاً من أشكال الدعم النفسي غير المباشر. فهما لا يقدمان حلولاً جاهزة، ولا يلغيان المعاناة، لكنهما يمنحان الإنسان القدرة على النظر إلى معاناته من زاوية إنسانية أوسع، حيث يصبح الألم جزءاً من حكاية، لا مجرد عبء ثقيل.
[email protected]
د. باسمة يونس
تعكس ثقافة إدارة الأزمات عمق الوعي الجماعي، ومدى نضج المؤسسات، وقوة العلاقة بين المجتمع والدولة فهي لا تعني فقط وجود خطط للطوارئ أو غرف عمليات جاهزة للتدخل عند الضرورة، بل تعني قبل ذلك بناء عقل جمعي قادر على الهدوء في مواجهة المواقف الصعبة، والثقة بالمعلومات والالتزام بالقوانين التي تحمي المجتمع. وعندما تتحول هذه القيم إلى سلوك يومي يمارسه الناس بوعي ومسؤولية، تصبح الأزمات أقل حدة وأسرع احتواء ويصبح المجتمع أكثر قدرة على تجاوز الأزمات بأقل الخسائر.
وما يجعل دولة الإمارات نموذجاً مميزاً في إدارة الأزمات كونها صنعت ثقافة مجتمعية واعية قوامها الانضباط والثقة والوعي بأن خطة إدارة الأزمات لا تكتمل إلا بكون المجتمع جزءاً منها وفلسفة إدارتها التي تقوم على مبدأ بسيط وعميق في آن بأن الاستعداد قبل وقوع الأزمة أهم من التعامل معها بعد حدوثها.
وتجمع منظومات إدارة الأزمات في دولة الإمارات بين التخطيط المسبق والجاهزية المؤسسية، والتواصل الفعال مع المجتمع والخطط الوطنية للتعامل مع مختلف السيناريوهات.
إن أهم الدروس التي أكدتها دولة الإمارات أن المعلومة الموثوقة هي السلاح الأقوى في مواجهة الأزمات في زمن الانتشار السريع لشائعات قد تؤدي إلى القلق، والارتباك واتخاذ قرارات خاطئة.
لذلك عملت على ترسيخ مفهوم واضح في المجتمع بأن المعلومات في الأزمات لا تؤخذ إلا من المصادر الرسمية الموثوقة كما أسهم إعلامنا الوطني، بمختلف منصاته، في تعزيز هذا المفهوم عبر تقديم المعلومات الدقيقة.
ومع مرور الوقت، أصبح هذا السلوك جزءاً من الوعي المجتمعي فالأفراد يدركون أن الخبر الصحيح يصدر عن جهة رسمية أو مؤسسة إعلامية معروفة ونشر الشائعات أو تداول المعلومات غير المؤكدة قد يضر بالمجتمع ويعطل جهود إدارة الأزمة. والهدوء في مواجهة الأحداث غير المتوقعة، والالتزام بالتعليمات الرسمية، واحترام القوانين التي تسن لحماية المجتمع، كلها عناصر أساسية في نجاح أي خطة لإدارة الأزمات.
وأثبت المجتمع الإماراتي قدرة لافتة على تجسيد هذه القيم بمستوى عال من الانضباط والتعاون مع الجهات المختصة والتعامل مع الأحداث بعقلانية، بعيداً عن الارتباك، فحين يثق الناس في قيادتهم وفي مؤسساتهم، يصبح الالتزام بالتعليمات أمراً طبيعياً، لا يحتاج إلى فرض.
إن العلاقة في الإمارات قائمة على أساس من الشفافية، فالقيادة تحرص على إطلاع المجتمع على الحقائق، وشرح القرارات، وتوضيح أسباب الإجراءات التي تتخذ في أوقات الأزمات ما يعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة.
[email protected]
د. باسمة يونس
بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي عنصراً فاعلاً في الواقع الثقافي المعاصر كأداة بالغة القوة في التحليل والتوثيق والدعم، بات جلياً أن المشكلة لا تكمن في وجوده بل في تضخيم دوره ومنحه سلطة لا يملكها، فهو ليس صانعاً للمعنى، ولا حكماً في الصراعات بين القيم ولا بديلاً عن الإنسان في صياغة هويته ومستقبله الثقافي.
ويزداد هذا التحدي وضوحاً عند الحديث عن الإبداع الثقافي، فصحيح أن الذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج نصوص أدبية وأعمال فنية تثير الإعجاب، إلا أن هذا الإنتاج يظل قائماً على إعادة تركيب أنماط سابقة بينما الإبداع الثقافي الحقيقي هو غالباً استجابة لأزمة اجتماعية راهنة أو تعبير عن قلق وجودي، أو تمرّد على واقع مأزوم، ويولد من الألم والأسئلة، وهي مناطق لا تستطيع الآلة دخولها.
وعندما يُطرح سؤال جوهري عن مدى قدرة هذا الذكاء على التدخل في القضايا الثقافية، سنجد أن أكثر القضايا استعصاءً عليه هي قضية بناء المعنى والهوية الثقافية، فالثقافة ليست منتجاً تقنياً يمكن تحسينه بالخوارزميات، ولا معادلة يمكن حلُّها بتحليل البيانات، بل هي حصيلة تاريخ طويل من التجارب، والصراعات، والانتصارات، والانكسارات وتشكل وعي الأفراد والجماعات وتمنحهم شعوراً بالانتماء.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في مقاومة الذكاء الاصطناعي أو الانبهار به، بل في إدراك حدوده عندما يتعلّق الأمر بالثقافة والهوية، فهما مجالان يذكّران الإنسان بذاته، وبمسؤوليته تجاه ماضيه وأجياله القادمة. وفي عالم يتجه نحو الأتمتة الشاملة قد تكون المحافظة على المعنى الإنساني هي التحدي الثقافي الأكبر الذي لا يمكن لأي ذكاء اصطناعي أن يحله.
ومع تفاقم الأسئلة المتعلقة بالقيم والمعايير الأخلاقية في ظل التحولات العالمية السريعة والتي تمس أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية ومفهوم الحرية في المجتمعات المعاصرة، يظهر الحد الفاصل بين ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدمه وما لا يستطيع تجاوزه، فالقيم ليست نتائج حسابية، بل اختيارات إنسانية تتشكل عبر الحوار المجتمعي والدين والتاريخ والتجربة المشتركة، فقد ينجح في تقديم نماذج تحليلية أو قراءات مقارنة، لكنه لا يملك ضميراً ولا مسؤولية أخلاقية، ولا يستطيع أن يحسم ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع.
إن الهوية الثقافية اليوم في قلب الصراع المعاصر، فكثير من المجتمعات تعيش قلق الذوبان وفقدان الخصوصية، في مقابل إغراءات الحداثة والتكنولوجيا. ولأن الهوية علاقة حية مرتبطة باللغة والذاكرة، والمكان، والرموز المشتركة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحفظ التراث ويصنفه، لكنه لا يستطيع أن يمنح الإنسان شعور الانتماء أو الإحساس بالخطر حين تواجه تهديداً ينذر بمحوها.
[email protected]