لطالما عُدّت الحركات الانفصالية والجماعات الإرهابية في إفريقيا مسارين منفصلين، لكلٍّ منهما سرديته وأهدافه، فالأولى تتغذى من خطاب الهوية والتمييز العرقي أو الجغرافي والديني؛ في حين تنهل الثانية من مرجعيات دينية عابرة للحدود. غير أن المشهد الراهن يكشف عن تآكل هذه الفواصل، وصعود نمط جديد من التشابك العضوي لم يعد يقتصر على تحالفات تكتيكية مؤقتة، بل يتجه نحو اندماج يجعل من الصعب تصنيف الفاعلين ضمن قوالب تقليدية. وأمام هذا التشابك المتنامي تبرز تساؤلات محورية؛ منها: ما الذي يدفع متمرداً انفصاليّاً ليجد نفسه في خندق واحد مع مقاتل إرهابي، رغم تباين المنطلقات الفكرية والسياسية؟ هل هي ضرورات ميدانية فرضتها حروب مفتوحة على الموارد والحدود، أو أن انكماش أدوات الوساطة الدولية خلق فراغاً جعل هذا اللقاء أمراً شبه حتمي؟
يكشف المشهد في مالي مثالاً بالغ الدلالة على هذا التداخل؛ فبعد إعلان الأزواد «قيام دولتهم» في شمال البلاد عام 2012، تقاطعت مساراتهم مع جماعات مرتبطة بالقاعدة، مثل «أنصار الدين». ولم يعد الأمر مجرد تقاسم للأرض، بل تولَّد خطاب هجين جمع بين «حق تقرير المصير» و«تطبيق الشريعة»؛ فأربك المجتمع الدولي وحوّل الأزمة من صراع انفصالي قابل للتسوية إلى نزاع معقد يعيد إنتاج نفسه بأدوات أيديولوجية وأمنية متداخلة. وفي الصومال استثمرت «حركة الشباب» هشاشة البنية العشائرية والمناطقية، فمدّت جسوراً مع ميليشيات محلية ذات نزعة «انفصالية» في ولاية جوبالاند، مقدمةً نموذجاً لتبادل المنافع: شرعية محلية مقابل خبرة تنظيمية، وانفتاح إقليمي مقابل موارد مالية. أما الكونجو الديمقراطية، فقد تحولت إلى ساحة اختبار لتشابكات أعقد؛ إذ وجدت حركات إثنية، مثل «23 مارس»، نفسها في تماس مباشر مع جماعات مسلحة، في علاقة متقلبة بين التعاون والصدام؛ ولكنها تكشف عن ذوبان الحدود بين دوافع الهوية والارتباطات العابرة للحدود.
وهذه الأمثلة لا يمكن قراءتها بمعزل عن دوافع أعمق؛ إذ باتت الموارد غير المشروعة، من ذهب، وكولتان، ونفط، وطرائق تهريب البشر، شريان حياة لهذه الكيانات؛ فالانفصالي يملك السيطرة المكانية، بينما الإرهابي يملك شبكات عابرة للدول، والتقاطع بينهما يمنح كليهما قدرة على الاستمرار. ويضاف إلى ذلك معضلة الشرعية؛ فالانفصالي أسير حدود محلية ضيقة، والإرهابي مرفوض مجتمعياً؛ ولكن التحالف بينهما يوفر غطاءً مزدوجاً يجمع بين القبول المحلي والامتداد الإقليمي. وينعكس هذا المشهد على مستقبل الأمن الإقليمي؛ إذ لم تعد خطوط التفاوض واضحة بين من يمكن ضمّه إلى اتفاق سياسي، ومن يجب استبعاده بحجة «التطرف»؛ فإذا كانت بعض الفصائل الانفصالية قد تشابكت وجودياً مع جماعات إرهابية، فهل يمكن فعلاً بناء اتفاقيات سلام لا تشمل الطرفين معاً؟ وهل يصبح استبعاد أحدهما حكماً مسبقاً على أي تسوية بالفشل؟
والأخطر من كل ما سبق أن هذا التشابك لم يعد محلياً فقط، بل يُنتج ديناميات إقليمية عابرة أيضاً؛ خُذ منطقة الساحل على سبيل المثال، فالمقاتلون فيها يتحركون بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو بلا قيود، بما يجعل من الصعب حصر الصراع داخل حدود دولة واحدة. وفي شرق الكونجو تكفي متابعة مسارات السلاح والمقاتلين لفهم كيف تحولت الحدود إلى ممر لنزاعات إقليمية قابلة للتمدد. وهكذا تتشكل صورة جديدة: مسرح عمليات مفتوح يشبه تجارب أفغانستان وسوريا، حيث تختلط الأجندات الانفصالية بالمرجعيات الدينية في سياق لا يمكن عزله عن توازنات دولية وتنافس إقليمي.
وربما أسهم الانسحاب التدريجي لبعثات السلام الدولية في فتح المجال لتمدد هذه التحالفات الهجينة؛ فمع خروج «مينوسما» من مالي، واقتراب انتهاء مهمة «مونوسكو» في الكونجو، وتحوّل دور الأمم المتحدة إلى مجرد دعم لبعثات إفريقية؛ انتقل عبء التمويل والتدريب إلى الدول الإفريقية. وهذا التحول أضعف الحاجز الذي كان يفرض حدّاً أدنى من التوازن الأمني، وأتاح لهذه الكيانات الهجينة مساحة أوسع للصعود والتكيف مع الضغوط العسكرية عبر إعادة تدوير تحالفاتها وخطابها. وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن هذه الكيانات لم تعد مجرّد جماعات مسلحة يمكن احتواؤها عسكريّاً أو سياسيّاً؛ بل تحولت إلى «فاعل هجين» يجمع بين الأيديولوجيا والهوية والاقتصاد غير المشروع. وهذا يضعف المقاربات التقليدية، سواء لمكافحة الإرهاب أو تسوية النزاعات؛ فالصراع لم يعد بين دولة ومتمردين، وإنما بين شبكة متعددة المستويات تملك مرونة وأدوات تتجاوز القوالب التقليدية.
وبناءً عليه تبرز تساؤلات جوهرية هي: كيف يمكن لإفريقيا وشركائها إعادة صياغة استجاباتهم؟ وهل يكفي التشبث بالمقاربات الأمنية التقليدية، أم أن المطلوب إعادة هندسة أدوات الوساطة لتستوعب التعقيد الهجين؟ وما الذي يعنيه ذلك لمفهوم السيادة حين يصبح التهديد نتاجاً لتقاطع بين انفصال محلي وعنف عابر للحدود؟
إن تجاهل هذه الأسئلة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج هشاشة مزمنة، وفتح الباب أمام بؤر صراع مفتوحة وعابرة للحدود في قلب القارة. والمفارقة أن ما بدأ تحالفاً ظرفيّاً للبقاء، قد يتحول، إذا استمر تجاهله، إلى صيغة دائمة لإدارة النزاعات؛ إذ تتداخل المطالب المحلية مع الأجندات العالمية في مشهد يصعب ضبطه أو التنبؤ بمساراته. وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة: أن يُولد من رحم هذا التقاطع فاعل يصعب احتواؤه، لا عبر اتفاقيات ولا عبر سلاح، بل عبر إعادة تعريف مقارباتنا نفسها فقط لفهم الصراع وصياغة الحلول.
[email protected]