يسرا الحربي

في لحظة يُفترض فيها أن يُطرح الذكاء الاصطناعي في إفريقيا بوصفه أداةً لتوسيع المعرفة، ورفع كفاءة التعليم، وتقليص الفجوة الرقمية، يبدو أن دخوله الفعلي إلى القارة يسلك مساراً مختلفاً. فهذه التكنولوجيا التي تُقدَّم عالمياً كلغة المستقبل، لم تبدأ حضورها الإفريقي من الجامعات أو مراكز البحث، بل من باطن الأرض؛ من النحاس والكوبالت والليثيوم، ومن الخرائط الجيولوجية، ومن سباق القوى الكبرى على المعادن التي ستُشغّل اقتصاد القرن الحادي والعشرين. وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بالتكنولوجيا في ذاتها بقدر ما يتعلق بمدخلها: ماذا يعني أن تصل الخوارزميات إلى إفريقيا أولاً بوصفها أداة تنقيب، لا أداة تحرير معرفي؟

يتجلى هذا السؤال بوضوح في زامبيا والكونغو الديمقراطية. ففي مارس/ آذار 2026، أعلنت شركة «كوبولد ميتالز»، المدعومة من جيف بيزوس وبيل غيتس، بدء تطوير مشروع «مينغومبا» للنحاس في زامبيا، مستهدفةً الإنتاج في أوائل ثلاثينات هذا القرن، باستثمارات تتراوح بين 2.3 و2.5 مليار دولار، وطاقة إنتاج سنوية متوقعة تبلغ 300 ألف طن. والأهم أن الشركة لا تُقدَّم فقط بوصفها شركة تعدين، بل بوصفها شركة تستخدم الذكاء الاصطناعي للبحث عن النحاس والكوبالت والنيكل والليثيوم، في وقت وسّعت فيه بالفعل نشاطها الاستكشافي إلى الكونغو الديمقراطية وناميبيا وبوتسوانا. وبهذا المعنى، لا يدخل الذكاء الاصطناعي هنا إلى إفريقيا كأفقٍ للمعرفة، بل كأداة لتسريع الوصول إلى الموارد.

ولا يمكن فصل ذلك عن السياق الجيوسياسي الأوسع. فالولايات المتحدة صعّدت منذ مطلع 2026 جهودها لتخفيف قبضة الصين على المعادن الحيوية الإفريقية من خلال الاستثمار المباشر، واتفاقات شراء طويلة الأجل، وتمويلات مدعومة من الدولة، وترتيبات تجارية تهدف إلى إعادة توجيه تدفقات النحاس والكوبالت من إفريقيا إلى سلاسل قيّمة أقرب إلى واشنطن وحلفائها. وفي المقابل، لا تزال الصين تملك حضوراً أكثر رسوخاً في الأصول التعدينية الكبرى، خصوصاً في الكونغو الديمقراطية، التي تنتج أكثر من 70% من إمدادات الكوبالت العالمية، إلى جانب 3.3 مليون طن من النحاس في عام 2024. وعليه، لا يظهر الذكاء الاصطناعي هنا باعتباره طفرة تقنية محايدة، بل كجزء من بنية تنافس دولي على من يملك حق اكتشاف الثروة وتسعيرها وتوجيه مساراتها.

وإذا كان السباق على المعادن ليس جديداً في إفريقيا، فإن الجديد اليوم هو أن الخوارزميات دخلت لتعيد تعريف شكل هذا السباق، لا جوهره. فبدلاً من صورة الجيولوجي الكلاسيكية، تظهر شركات تكنولوجية تعتمد على النمذجة الحاسوبية والبيانات الضخمة لتحسين فرص الاكتشاف وتقليص كلفة المخاطرة. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن إفريقيا انتقلت من موقع «المصدر الخام» إلى موقع «الشريك التكنولوجي»، بل قد يكون العكس هو الصحيح؛ أي أن القارة تُدمج في الاقتصاد الرقمي العالمي من بوابة تُبقيها داخل وظيفتها القديمة ذاتها، لكن بأدوات أكثر حداثة.

ومن زاوية أخرى، تكشف هذه الدينامية عن مفارقة أكثر حساسية، هي أن البيانات نفسها باتت جزءاً من التنافس على الثروة. فالنزاع بين متحف إفريقيا في بلجيكا وشركة «كوبولد ميتالز» حول رقمنة ملايين السجلات الجيولوجية العائدة إلى الحقبة الاستعمارية في الكونغو الديمقراطية يوضح أن المعركة لم تعد على المناجم وحدها، بل على المعرفة التي تقود إليها. فلم يعد السؤال فقط: من يستخرج المعدن؟ بل من يملك الخريطة والبيانات، ومن يقرر كيف تُفتح الأرشيفات الاستعمارية القديمة أمام التكنولوجيا الجديدة؟ وهنا تتداخل الجيولوجيا مع الذاكرة الاستعمارية، وتتحول الرقمنة إلى ساحة صراع على السيادة المعرفية، لا المعدنية فقط.

وخلاصة الأمر أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى إفريقيا، حين يأتي محمولاً على منطق الاستخراج لا منطق التمكين، لا يُعد مجرد تفصيل في مسار التطور التقني، بل إعادة توزيع للأدوار القديمة داخل اقتصاد جديد.

غير أن هذا المسار ليس حتمياً؛ إذ تبرز في المقابل محاولات لإعادة توجيه علاقة إفريقيا بالذكاء الاصطناعي نحو مسار تنموي أوسع، كما عكسه إعلان دولة الإمارات في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ إطلاق مبادرة «الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية» بقيمة مليار دولار، لدعم تطوير البنية التحتية الرقمية في القارة، وتحسين الخدمات الحكومية، ورفع الإنتاجية. وإذا كانت هذه المبادرة تشير إلى إمكانية بناء مقاربة مختلفة تربط التكنولوجيا بالتنمية لا بالاستخراج فقط، فإن التحدي الحقيقي يظل مرهوناً بقدرة القارة على تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة لاكتشاف ثرواتها إلى أداة لبناء قدراتها، ومن مجرد أداة للنفاد إلى مواردها، إلى رافعة لسيادتها المعرفية والتنموية.

[email protected]