الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
يسرا الحربي
باحثة بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيه
أحدث مقالات يسرا الحربي
28 مارس 2026
الذكاء الاصطناعي والمعادن في إفريقيا

يسرا الحربي

في لحظة يُفترض فيها أن يُطرح الذكاء الاصطناعي في إفريقيا بوصفه أداةً لتوسيع المعرفة، ورفع كفاءة التعليم، وتقليص الفجوة الرقمية، يبدو أن دخوله الفعلي إلى القارة يسلك مساراً مختلفاً. فهذه التكنولوجيا التي تُقدَّم عالمياً كلغة المستقبل، لم تبدأ حضورها الإفريقي من الجامعات أو مراكز البحث، بل من باطن الأرض؛ من النحاس والكوبالت والليثيوم، ومن الخرائط الجيولوجية، ومن سباق القوى الكبرى على المعادن التي ستُشغّل اقتصاد القرن الحادي والعشرين. وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بالتكنولوجيا في ذاتها بقدر ما يتعلق بمدخلها: ماذا يعني أن تصل الخوارزميات إلى إفريقيا أولاً بوصفها أداة تنقيب، لا أداة تحرير معرفي؟

يتجلى هذا السؤال بوضوح في زامبيا والكونغو الديمقراطية. ففي مارس/ آذار 2026، أعلنت شركة «كوبولد ميتالز»، المدعومة من جيف بيزوس وبيل غيتس، بدء تطوير مشروع «مينغومبا» للنحاس في زامبيا، مستهدفةً الإنتاج في أوائل ثلاثينات هذا القرن، باستثمارات تتراوح بين 2.3 و2.5 مليار دولار، وطاقة إنتاج سنوية متوقعة تبلغ 300 ألف طن. والأهم أن الشركة لا تُقدَّم فقط بوصفها شركة تعدين، بل بوصفها شركة تستخدم الذكاء الاصطناعي للبحث عن النحاس والكوبالت والنيكل والليثيوم، في وقت وسّعت فيه بالفعل نشاطها الاستكشافي إلى الكونغو الديمقراطية وناميبيا وبوتسوانا. وبهذا المعنى، لا يدخل الذكاء الاصطناعي هنا إلى إفريقيا كأفقٍ للمعرفة، بل كأداة لتسريع الوصول إلى الموارد.

ولا يمكن فصل ذلك عن السياق الجيوسياسي الأوسع. فالولايات المتحدة صعّدت منذ مطلع 2026 جهودها لتخفيف قبضة الصين على المعادن الحيوية الإفريقية من خلال الاستثمار المباشر، واتفاقات شراء طويلة الأجل، وتمويلات مدعومة من الدولة، وترتيبات تجارية تهدف إلى إعادة توجيه تدفقات النحاس والكوبالت من إفريقيا إلى سلاسل قيّمة أقرب إلى واشنطن وحلفائها. وفي المقابل، لا تزال الصين تملك حضوراً أكثر رسوخاً في الأصول التعدينية الكبرى، خصوصاً في الكونغو الديمقراطية، التي تنتج أكثر من 70% من إمدادات الكوبالت العالمية، إلى جانب 3.3 مليون طن من النحاس في عام 2024. وعليه، لا يظهر الذكاء الاصطناعي هنا باعتباره طفرة تقنية محايدة، بل كجزء من بنية تنافس دولي على من يملك حق اكتشاف الثروة وتسعيرها وتوجيه مساراتها.

وإذا كان السباق على المعادن ليس جديداً في إفريقيا، فإن الجديد اليوم هو أن الخوارزميات دخلت لتعيد تعريف شكل هذا السباق، لا جوهره. فبدلاً من صورة الجيولوجي الكلاسيكية، تظهر شركات تكنولوجية تعتمد على النمذجة الحاسوبية والبيانات الضخمة لتحسين فرص الاكتشاف وتقليص كلفة المخاطرة. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن إفريقيا انتقلت من موقع «المصدر الخام» إلى موقع «الشريك التكنولوجي»، بل قد يكون العكس هو الصحيح؛ أي أن القارة تُدمج في الاقتصاد الرقمي العالمي من بوابة تُبقيها داخل وظيفتها القديمة ذاتها، لكن بأدوات أكثر حداثة.

ومن زاوية أخرى، تكشف هذه الدينامية عن مفارقة أكثر حساسية، هي أن البيانات نفسها باتت جزءاً من التنافس على الثروة. فالنزاع بين متحف إفريقيا في بلجيكا وشركة «كوبولد ميتالز» حول رقمنة ملايين السجلات الجيولوجية العائدة إلى الحقبة الاستعمارية في الكونغو الديمقراطية يوضح أن المعركة لم تعد على المناجم وحدها، بل على المعرفة التي تقود إليها. فلم يعد السؤال فقط: من يستخرج المعدن؟ بل من يملك الخريطة والبيانات، ومن يقرر كيف تُفتح الأرشيفات الاستعمارية القديمة أمام التكنولوجيا الجديدة؟ وهنا تتداخل الجيولوجيا مع الذاكرة الاستعمارية، وتتحول الرقمنة إلى ساحة صراع على السيادة المعرفية، لا المعدنية فقط.

وخلاصة الأمر أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى إفريقيا، حين يأتي محمولاً على منطق الاستخراج لا منطق التمكين، لا يُعد مجرد تفصيل في مسار التطور التقني، بل إعادة توزيع للأدوار القديمة داخل اقتصاد جديد.

غير أن هذا المسار ليس حتمياً؛ إذ تبرز في المقابل محاولات لإعادة توجيه علاقة إفريقيا بالذكاء الاصطناعي نحو مسار تنموي أوسع، كما عكسه إعلان دولة الإمارات في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ إطلاق مبادرة «الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية» بقيمة مليار دولار، لدعم تطوير البنية التحتية الرقمية في القارة، وتحسين الخدمات الحكومية، ورفع الإنتاجية. وإذا كانت هذه المبادرة تشير إلى إمكانية بناء مقاربة مختلفة تربط التكنولوجيا بالتنمية لا بالاستخراج فقط، فإن التحدي الحقيقي يظل مرهوناً بقدرة القارة على تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة لاكتشاف ثرواتها إلى أداة لبناء قدراتها، ومن مجرد أداة للنفاد إلى مواردها، إلى رافعة لسيادتها المعرفية والتنموية.

[email protected]

28 نوفمبر 2025
قمة العشرين: هل هي لحظة توافق عابرة؟

يسرا الحربي

عند النظر إلى قمة قادة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ، لا يكفي القول «إنها أول قمة على أرضٍ إفريقية»، أو إنها «انتهت بإعلان توافقي»، إذ إن السؤال الأهم هو: أيُّ سردية تحاول جنوب إفريقيا تكريسها عن موقع القارة في النظام الدولي، وأيُّ معادلة جديدة بين القوى الكبرى والقوى المتوسطة تتشكل خلف تفاصيل البيان الختامي؟
في عام اتسم ب«حرب بيانات» بين عواصم كبرى، واستقطاب حاد حول المناخ والديون والحروب الإقليمية، اختارت جنوب إفريقيا أن تُحوِّل رئاستها للمجموعة من لحظة رمزية إلى اختبار لقدرة إفريقيا على إعادة تعريف التعددية نفسها، ومن هنا يبرز سؤالان متوازيان: إلى أي حد نجحت في «أفرقة» جدول الأعمال، وإلى أي مدى استطاعت حماية منطق العمل الجماعي في ظل الخلاف مع الولايات المتحدة، وغياب رئيسها عن القمة؟
من هذه الزاوية لا يمكن فصل اعتماد إعلان من ثلاثين صفحة في اليوم الأول عن صعود تحالف واسع من القوى المتوسطة رأى في جوهانسبرغ منصةً لتأكيد أن الخلاف مع واشنطن لا يعني بالضرورة تعطيل المنظومة المتعددة الأطراف، ولكن هذا التماسك الشكلي يفتح بدوره سؤالًا آخر: هل نحن أمام إعادة توزيع فعلية لوزن هذه القوى في صناعة القرار، أم أمام «لحظة توافق ظرفية» سرعان ما تعود بعدها قواعد اللعبة إلى ما كانت عليه؟
على مستوى المضمون الإفريقي، قدمت القمة ثلاث إشارات لافتة للنظر، تمثلت الأولى في الانتقال من مجرّد تشخيص أزمة الديون إلى اختبار إرادة الإصلاح، إذ أقر القادة بأن مستويات الديون الحالية تعرقل النمو الشامل في الدول النامية، وأُطلق «المسار المالي لإفريقيا» (2025-2030) لتحسين «الإطار المشترك»، وأدوات صندوق النقد والبنك الدوليين، ويعكس ذلك اعترافاً متزايداً بأن أكثر من نصف الدول الإفريقية تعيش بين كلفة خدمة الدَّين، ومتطلبات الاستثمار الاجتماعي، ولكن الحسم سيبقى مرهوناً بقدرة العواصم الإفريقية على تحويل هذه اللغة إلى إعادة هيكلة أكثر عدالة، بدل أن تبقى التعهدات محصورة في دعم «مبدئي» بلا جداول زمنية، ولا آليات محاسبة.
والإشارة الثانية تتعلق بالانتقال العادل بين سرديتين للطاقة، فعلى الورق تبدو مبادرات مثل «المهمة 300» لتوصيل الكهرباء إلى 300 مليون إفريقي، ومضاعفة الطاقة المتجددة ثلاث مرات، واعتماد إطار جديد للمعادن الحيوية، استجابةً مباشرةً لواقع يعيش فيه مئات الملايين بلا كهرباء، أو حلول طبخ نظيفة، في قارة تملك حصة معتبرة من المعادن الحيوية في العالم، غير أن جوهر المعادلة لا يتوقف على حجم التعهُّدات، بل على مَن يصوغ شروط هذا الانتقال: هل ستُترجَم هذه المبادرات إلى قيمة مضافة محلية وسلاسل تصنيع داخل القارة، أم سنكون أمام دورة جديدة من «استخراج أخضر» تعيد إنتاج التبعية في سوق الطاقة العالمي؟
أما الإشارة الثالثة، فتمسُّ الانتقال من الاعتراف بالأمن الإفريقي إلى سؤال استدامة مسارات السلام، فإدراج أزمات السودان والكونغو الديمقراطية والساحل في متن الإعلان، والتشديد على الحلول السياسية، ودعم جهود الوساطة، كلها مؤشرات إلى انتقال القضايا الأمنية الإفريقية من الهامش إلى جدول أعمال القمة، غير أن التجربة تُظهر استمرار وجود فجوة بين لغة الإدانة، ومتطلبات بناء السلام على الأرض.
وفي المقابل حملت ملفات المناخ والأمن الغذائي والصحة العالمية ملامح أوضح لعلاقة الصحة والتنمية بالأمن الجماعي، بداية من إعلان التزام تحقيق هدف 1.5 درجة مئوية، وتمويل المناخ، وأنظمة الإنذار المبكر، ونهج «أوبونتو» للأمن الغذائي، القائم على ترابط مصائر المجتمعات، إلى تأكيد استمرار دعم التغطية الصحية الشاملة والتأهب للأوبئة.
وهناك عنصر آخر لافت للنظر أيضاً يتمثل في الحضور الواضح لملف الرقمنة والذكاء الاصطناعي، فإطلاق مبادرات مثل «الذكاء الاصطناعي من أجل إفريقيا»، وإصرار الرئاسة الجنوب إفريقية على ربط التكنولوجيا بتقليص الفجوات التنموية، يعكسان وعياً متزايداً بأن الفجوة الرقمية قد تصبح أحد أكبر محددات عدم المساواة، وهو ما يفسر تعهُّد مجموعة العشرين بدعم البنية التحتية الرقمية في القارة، وتوسيع الوصول إلى قوة الحوسبة والبيانات بهدف تطوير أطر حوكمة للبيانات والذكاء الاصطناعي من داخل إفريقيا.
ومع ذلك يظل وجه الضعف البنيوي حاضراً: مجموعة العشرين منتدى طوعي لا يملك سلطة ملزمة، وإعلان جوهانسبرغ يبقى إطاراً إرشادياً أكثر منه خطة تنفيذية، ومن هنا تتحدد أهمية «اليوم التالي» للقمة: كيف ستستخدم العواصم الإفريقية هذا الإعلان وثيقة مرجعية في مفاوضات الديون وتمويل المناخ، وفي إعادة التفاوض على شروط الاستثمار في المعادن الحيوية والطاقة المتجددة، وفي بناء تحالفات مع القوى المتوسطة التي تشاركها في القلق من تآكل التعددية، وترى في إصلاحها مصلحة مشتركة؟
بهذا المعنى تبدو رئاسة جنوب إفريقيا لمجموعة العشرين انتصاراً دبلوماسياً لا يُستهان به، ولكنها في الوقت نفسه دعوة مفتوحة لاختبار مدى قدرة إفريقيا على تحويل لحظة الإجماع هذه إلى مسار مستدام يعيد تعريف موقعها في الجغرافيا السياسية والاقتصادية العالمية، من موقع «موضوع للسياسات» إلى شريك فاعل في صياغتها.

* باحثة في الدراسات الإفريقية بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

28 أكتوبر 2025
واشنطن وإفريقيا.. تحول براغماتي أم إعادة تموضع؟

هل تعيد الولايات المتحدة تموضعها في القارة الإفريقية عبر مسارات الوساطة المتكرّرة في الأزمات الممتدة.. من ليبيا إلى شرق الكونغو، ومن سدّ النهضة إلى السودان؟
تتكرر الصيغة ذاتها: حضورٌ أمريكي سياسي يحمل معه لهجة دبلوماسية ناعمة، يتقاطع مع طرح اقتصادي أكثر جرأة من المعتاد، وذلك لأنّ المقاربات التقليدية لم تعد قادرة على مواكبة تعقيد الأزمات الممتدة، التي باتت تشترط معادلات تمويل وسلاسل قيمة تُسعِّر الاستقرار وتحوّله إلى أصل إنتاجي. لكن هل يسمح الواقع الإفريقي، بتعقيد فاعليه وتنازع شرعياته، بهذا التحويل؟ أم أننا أمام «هندسة وعود» أخرى إن غاب عنها معيار النفاذ والإنفاذ؟
يبدو أن المقاربة الأمريكية الحالية لا تستهدف فقط إدارة التفاوض بين الأطراف، بل تستند إلى فرضية أوسع: أن غياب التنمية الاقتصادية هو ما يطيل أمد النزاع، وأن ربط الوساطة بوعود النمو يمكن أن يغيّر سلوك الفاعلين. لكن هل تكفي هذه الوعود وحدها؟ وهل لدى واشنطن القدرة، أو الإرادة، لخلق توازن بين متطلبات الاستقرار السياسي ومصالحها التجارية المتصاعدة في القارة؟ ثم، هل هذه الوساطة مصممة أساساً لتقليل العنف؟ أم لضمان تدفق الموارد في مسارات مأمونة؟
في ليبيا، يظهر ذلك التداخل بوضوح، فعلى الرغم من التراجع الملحوظ في الدور الأمريكي منذ ما بعد مؤتمر برلين، عادت واشنطن ببطء ولكن بثبات إلى مسار الوساطة، ليس عبر الحل السياسي الصرف، بل من بوابة المؤسسات السيادية: البنك المركزي، ومؤسسة النفط، وترتيبات الإنفاق العام. وهنا يطرح سؤال جوهري: هل تنجح الولايات المتحدة في دفع الأطراف نحو مسار اقتصادي مشترك يُستخدم كضامن للاستقرار؟ أم أن التركيز على إدارة الموارد سيُحوّل الاقتصاد إلى ساحة نزاع جديدة بدل أن يكون منصة تهدئة؟ وهل يمكن الدفع باتجاه وحدة مؤسساتية فاعلة في بيئة لا تزال ترتيبات القوة فيها متداخلة ومتعددة الأقطاب؟
وفي ملف سد النهضة، تبدو المقاربة الأمريكية أكثر حذراً. فبعد إخفاق محاولات الضغط المباشر على إثيوبيا، لجأت واشنطن إلى صيغة موازية: دعم فني، وتشجيع على الربط الكهربائي، وتلميحات متكررة إلى فرص تمويل إقليمي مشروط بالتوافق. لكن هل هذه الأدوات كافية لتجاوز المعضلة الجوهرية في الملف، وهي غياب الثقة وتباين التصورات حول السيادة المائية؟ وهل يمكن بالفعل أن تتحول «الطاقة» إلى منصة تعاون، أم أن شبح التوظيف السياسي لكل متر مكعب من المياه سيبقى يحكم السلوك؟ ثم، ما مدى واقعية فرضية أن يتم ربط الأنهار بشبكات إقليمية، بينما لا تزال العواصم غير قادرة على الاتفاق حول قواعد الملء والتشغيل؟
وفي شرق الكونغو الديمقراطية، لا تقتصر الوساطة على تهدئة الاشتباك مع رواندا أو تفكيك تحالفات الجماعات المسلحة، بل ترافقها رزمة من التصريحات والمبادرات المتعلقة بممرات النقل وسلاسل التوريد للمعادن الحرجة. والسؤال هنا يتجاوز النيات: هل تسعى الولايات المتحدة إلى ضبط النزاع عبر خلق بدائل اقتصادية مشروعة؟ أم أن تدخلها محكوم باعتبارات المنافسة مع الصين، بما يجعل «السلام» مجرد منتج ثانوي في سباق استراتيجي أكبر؟ وهل تكفي الموانئ والممرات لتقليص نفوذ الشبكات المسلحة، أم أنها قد تتحول إلى فرص إضافية لتجار الحرب؟ ثم، ما مصير السكان المحليين الذين لا تُعرض عليهم الوساطة ولا العوائد، بل فقط نتائج التفاهمات العابرة فوق رؤوسهم؟
أما في السودان، فتبدو الوساطة الأمريكية أمام اختبار قاسٍ. فالمبادرات الأمريكية المتعددة، من محادثات جدة إلى العقوبات الموجهة، لم تتمكن من وقف النزاع أو حتى احتوائه. ومع ذلك، تواصل واشنطن ربط مسارات الحل بملفات إعادة الإعمار والدعم الإنساني المشروط. فهل يُمكن فصل المسار السياسي عن المسار الإنساني؟ وهل يمكن بناء استقرار اقتصادي حقيقي في ظلّ تباينات مؤسسية لم تُحسم بعد؟ وكيف يمكن ضمان توجيه المساعدات نحو مسارات تعافٍ مستدام لا تتقاطع مع ديناميات النزاع؟
ما يجمع بين هذه الملفات هو النمط نفسه: وساطة أمريكية ترافقها لغة اقتصادية، مرنة في ظاهرها، لكنها مشروطة في جوهرها. ولعل المعضلة المركزية هنا تكمن في التوقيت وغياب الضمانات. فبينما تحتاج المجتمعات إلى حلول عاجلة، تتحرك الوساطة الأمريكية ببطء، مشروطة بحسابات النفوذ، ومربوطة باعتبارات أوسع من حدود الدولة المعنية. فهل تُبنى الثقة على هذا الأساس؟ وهل ما يُعرض على العواصم الإفريقية هو شراكة حقيقية أم مجرد عقود نفاذ جديدة مغلفة بلغة الوساطة؟
في النهاية، يبقى التساؤل الأهم: ما الذي تغيّر فعلاً في الموقف الأمريكي؟ هل نحن أمام مراجعة حقيقية لأدوات القوة الناعمة ترتبط فيها الوساطة بالتمكين الاقتصادي المحلي؟ أم أن واشنطن، مثل غيرها، تحاول إنتاج خطاب وسطي يوازن بين الصورة والواقع، بين الطموح التنموي والمصلحة الجيوسياسية؟ وهل تنجح هذه الوساطات فعلاً في تخفيف النزاعات، أم أنها تُصمَّم لضبطها لا لإنهائها؟

[email protected]

28 سبتمبر 2025
مفارقة الثقة والارتياب في العقل القضائي الإفريقي

لماذا تنسحب بعض دول الساحل من المحكمة الجنائية الدولية بعد انفصالها عن «الإيكواس»، في حين تتقدم جنوب إفريقيا إلى مؤسسات لاهاي نفسها، ساعيةً إلى إنفاذ القانون الدولي؟ وكيف تتجاور في القارة عينٌ تشكِّك في حياد القضاء الدولي، وأخرى تراهن عليه لضبط القوة؟ ومن يعرِّف الجريمة، ويرسم حدود الردع، ويضع ثمن الانتماء إلى نظام متعدِّد الأطراف؟
في الساحل الإفريقي تتنامى سرديةٌ تَعُدُّ العدالة الدولية امتداداً لاختلال ميزان القوة: إجراءات لا تواكب إيقاع الميدان، وانتقائية تُضعف الوكالة الوطنية حين تبدو كأنها توجيه خارجي لمسارات الاتهام والإحالة. وإلى جانب ذلك تترسخ ذاكرةٌ سياسيةٌ تصور العدالة بأنها قوة تأتي من بعيد أكثر مما تقنع قدرتها على إنصاف قريب.
ومن هنا لا يُقرأ الانسحاب من «الجنائية الدولية» كاحتجاجٍ قانوني فحسب، بل كفصل في مشروع سيادي أوسع بدأ بتفكيك روابطَ إقليمية قديمة (مثل «الإيكواس»)، ويُستكمل اليوم بهندسة بدائل مؤسسية محلية وإقليمية: جوازات بيومترية تعيد تعريف الحدود والهويات الإدارية، وترتيبات أمنية مشتركة تُحاول ضبط أسواق العنف العابرة للدول، وتصميم أولي لمحكمةٍ إقليمية تختص بالإرهاب والجرائم الجسيمة، بما يوحي بتحويل مركز الثقل من لاهاي إلى الجوار القريب.
وهنا تُبنى الحجة على ثلاث طبقات متراكبة: طبقة التاريخ السياسي التي تُذكِّر بتجارب الانتداب والتدخل، وتُلقي ظلالها على أي سلطة فوق وطنية، وطبقة الهندسة الأمنية التي تتسم بحدود رخوة وشبكات مسلحة مرنة، تجعل «القُربى المؤسسية» ميزةً تشغيلية تَعِد بسرعة الاستجابة، وطبقة اقتصاد السياسة التي ترى أن كل غموضٍ قضائي يرفع تكلفة رأس المال، و«علاوة المخاطر» على التمويل والتأمين، وأن وضوح القواعد المحلية القابلة للإنفاذ يُخفِّض التكلفة، ويزيد القدرة على التنبؤ. ولكن وجاهة هذا المسار لا تُقاس بقدرته على استعادة «السيادة البلاغية»، بل بمدى قدرته على تركيب معيارٍ مُحكَم: اختصاص واضح، وادعاء مستقل، وقنوات وصولٍ للضحايا، وآليات إنفاذٍ عابرة للحدود تمنع انزلاق البدائل إلى هندسة حصانة بواجهة سيادية.
وعلى الضفة المقابلة تراهن جنوب إفريقيا على الوجه الآخر للعقل القضائي الإفريقي: ثقة مؤسسية بأن أدوات القانون الدولي قادرةٌ على تقييد القوة متى تحوَّلت من نصوص إلى التزامات قابلة للقياس والمتابعة. هذه الثقة ليست مزاجاً عابراً، ولا شعاراً إنشائياً، إنها نتاج ثقافة دستورية شُكِّلت فيها المحاكم كرافعةٍ للفصل بين السلطات لا امتدادٍ لها، وثمرة تقليد في التقاضي الاستراتيجي يحول الحكم القضائي إلى سياسة عامة عبر آليات: جداول التنفيذ، ومؤشرات الامتثال، وتقارير المتابعة، وآجال زمنية تُتيح قياس الأثر لا الاكتفاء بإشهار المعيار.
وعلى المستوى الدولي تنظر بريتوريا إلى لاهاي بصفتها منصةً لتوسيع دائرة الإجماع المعياري حول سلوك الدولة والحرب وحماية المدنيين، مستثمرةً تراكم السوابق بما يرفع تكلفة التعسف تدريجيّاً، ويضيق هامش المناورة خارج القانون. وهنا تعمل ثلاث دوائر متداخلة: دائرة الشرعية الداخلية التي ترى الامتثال أصلاً يعزِّز الثقة بين المواطن والدولة، ودائرة الاعتبار الخارجي، حيث يتحول الحكم إلى عملة سياسية في المساومات الدبلوماسية وشروط التعاون، ودائرة التسعير الاقتصادي التي تعكس الامتثال على تقييمات المخاطر والائتمان وأسعار التأمين، فتجعل وضوحَ القواعد واستقرارها أصلاً إنتاجيّاَ لا عبئاً دعائيّاً.
وبهذا الاتساق تتضح المقارنة من دون تبسيطٍ مُخلٍّ: في الساحل، القُربى المؤسسية ليست انكفاءً عن العالمية، بل محاولةٌ لابتكار مسارٍ يطابق الجغرافيا الأمنية، ويستجيب لإيقاعها. وفي جنوب إفريقيا تدويل المعيار ليس تفويضاً للخارج، بل توسيعٌ لسقف الحماية، وإعادة توزيعٍ مدروسٍ للقوة عبر القانون. كلاهما يبحث عن عدالةٍ «نافذة» لا «موصوفة»، ولكن أدوات النفاذ تختلف: سرعة تنفيذٍ وتكيُّف محلي في الحالة الأولى، وتراكم سوابقَ، وضبطٌ معياريُّ طويل الأجل في الثانية.
وفي الحالتين تُسعَّر الشرعية: كلما ازداد وضوح القواعد وآليات الامتثال انخفضت تكلفة التعامل، وارتفعت جاذبية التعاون، وكلما اتسعت فجوة القياس والمتابعة ارتفعت علاوة المخاطر، وتآكلت الثقة. وهكذا تُقرأ المفارقة لا كازدواجية أخلاقية، بل كخيارَي هندسة: هندسةٍ قريبة تراهن على السرعة والملاءمة، وهندسةٍ معيارية تراهن على الزمن والتراكم، والحُكم في النهاية لمدى ما تُنتجه كل مقاربة من حمايةٍ مُنجَزة للضحايا، وإنفاذٍ يُرى ويُقاس.
ومن هنا يبدأ السؤال عن المآلات لا عن النيات.
المآلات؟ ثنائيةٌ تتبلور على مستوى القارة، في الساحل إذا انتقلت «البدائل» من خطاب السيادة إلى مؤسساتٍ قابلة للمساءلة -اختصاص واضح، وادعاء مستقل، وآليات استئناف وإنفاذ، ومسارات وصولٍ للضحايا- فقد تنشأ شرعيةٌ موازية تُنافس لاهاي بالقدرة على الإنجاز. أما إذا بقيت الوعود بلا أدوات، فستكون المحصلة هندسة عزلة: منظومات بديلة بلا معيارٍ مُحكَم، وأسواقَ عنفٍ بلا قيد. وفي المقابل يُقاس رهان جنوب إفريقيا بقدرة القضاء الدولي على تحويل المعيار إلى أثرٍ مرصود: حماية شهود، وفتح ممراتٍ إنسانية، وتعديل سلوك طرفٍ أقوى، فإذا تعثر الأثر ألَا تتغذى سرديةُ الارتياب نفسها التي دفعت الساحل إلى التخارج؟
وبين المقاربتين تقف المحاكم الوطنية كحلقة اختبارٍ نهائية، هل تُستثمر اللحظة لإصلاح منظومات الإجراءات والأدلة، وتمكين النيابات، وبناء قضاءٍ متخصص بالجرائم الدولية الجسيمة؟ أم يُكتفى بخطاب السيادة من دون بنيةٍ تتحمَّل وزنه؟ إن إنشاء غرفٍ وطنية للجرائم الدولية، وتوقيع اتفاقات تسليم مُلزِمة، وتفعيل التعاون القضائي العملي، ليست تفاصيل تقنية، إنها شرطٌ لتكافؤ الشرعيات، حيث تتكلم العدالة لغةً واحدة: لغة الإنفاذ.
[email protected]

28 أغسطس 2025
نحو مشهد أمني جديد في إفريقيا

لطالما عُدّت الحركات الانفصالية والجماعات الإرهابية في إفريقيا مسارين منفصلين، لكلٍّ منهما سرديته وأهدافه، فالأولى تتغذى من خطاب الهوية والتمييز العرقي أو الجغرافي والديني؛ في حين تنهل الثانية من مرجعيات دينية عابرة للحدود. غير أن المشهد الراهن يكشف عن تآكل هذه الفواصل، وصعود نمط جديد من التشابك العضوي لم يعد يقتصر على تحالفات تكتيكية مؤقتة، بل يتجه نحو اندماج يجعل من الصعب تصنيف الفاعلين ضمن قوالب تقليدية. وأمام هذا التشابك المتنامي تبرز تساؤلات محورية؛ منها: ما الذي يدفع متمرداً انفصاليّاً ليجد نفسه في خندق واحد مع مقاتل إرهابي، رغم تباين المنطلقات الفكرية والسياسية؟ هل هي ضرورات ميدانية فرضتها حروب مفتوحة على الموارد والحدود، أو أن انكماش أدوات الوساطة الدولية خلق فراغاً جعل هذا اللقاء أمراً شبه حتمي؟
يكشف المشهد في مالي مثالاً بالغ الدلالة على هذا التداخل؛ فبعد إعلان الأزواد «قيام دولتهم» في شمال البلاد عام 2012، تقاطعت مساراتهم مع جماعات مرتبطة بالقاعدة، مثل «أنصار الدين». ولم يعد الأمر مجرد تقاسم للأرض، بل تولَّد خطاب هجين جمع بين «حق تقرير المصير» و«تطبيق الشريعة»؛ فأربك المجتمع الدولي وحوّل الأزمة من صراع انفصالي قابل للتسوية إلى نزاع معقد يعيد إنتاج نفسه بأدوات أيديولوجية وأمنية متداخلة. وفي الصومال استثمرت «حركة الشباب» هشاشة البنية العشائرية والمناطقية، فمدّت جسوراً مع ميليشيات محلية ذات نزعة «انفصالية» في ولاية جوبالاند، مقدمةً نموذجاً لتبادل المنافع: شرعية محلية مقابل خبرة تنظيمية، وانفتاح إقليمي مقابل موارد مالية. أما الكونجو الديمقراطية، فقد تحولت إلى ساحة اختبار لتشابكات أعقد؛ إذ وجدت حركات إثنية، مثل «23 مارس»، نفسها في تماس مباشر مع جماعات مسلحة، في علاقة متقلبة بين التعاون والصدام؛ ولكنها تكشف عن ذوبان الحدود بين دوافع الهوية والارتباطات العابرة للحدود.
وهذه الأمثلة لا يمكن قراءتها بمعزل عن دوافع أعمق؛ إذ باتت الموارد غير المشروعة، من ذهب، وكولتان، ونفط، وطرائق تهريب البشر، شريان حياة لهذه الكيانات؛ فالانفصالي يملك السيطرة المكانية، بينما الإرهابي يملك شبكات عابرة للدول، والتقاطع بينهما يمنح كليهما قدرة على الاستمرار. ويضاف إلى ذلك معضلة الشرعية؛ فالانفصالي أسير حدود محلية ضيقة، والإرهابي مرفوض مجتمعياً؛ ولكن التحالف بينهما يوفر غطاءً مزدوجاً يجمع بين القبول المحلي والامتداد الإقليمي. وينعكس هذا المشهد على مستقبل الأمن الإقليمي؛ إذ لم تعد خطوط التفاوض واضحة بين من يمكن ضمّه إلى اتفاق سياسي، ومن يجب استبعاده بحجة «التطرف»؛ فإذا كانت بعض الفصائل الانفصالية قد تشابكت وجودياً مع جماعات إرهابية، فهل يمكن فعلاً بناء اتفاقيات سلام لا تشمل الطرفين معاً؟ وهل يصبح استبعاد أحدهما حكماً مسبقاً على أي تسوية بالفشل؟
والأخطر من كل ما سبق أن هذا التشابك لم يعد محلياً فقط، بل يُنتج ديناميات إقليمية عابرة أيضاً؛ خُذ منطقة الساحل على سبيل المثال، فالمقاتلون فيها يتحركون بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو بلا قيود، بما يجعل من الصعب حصر الصراع داخل حدود دولة واحدة. وفي شرق الكونجو تكفي متابعة مسارات السلاح والمقاتلين لفهم كيف تحولت الحدود إلى ممر لنزاعات إقليمية قابلة للتمدد. وهكذا تتشكل صورة جديدة: مسرح عمليات مفتوح يشبه تجارب أفغانستان وسوريا، حيث تختلط الأجندات الانفصالية بالمرجعيات الدينية في سياق لا يمكن عزله عن توازنات دولية وتنافس إقليمي.
وربما أسهم الانسحاب التدريجي لبعثات السلام الدولية في فتح المجال لتمدد هذه التحالفات الهجينة؛ فمع خروج «مينوسما» من مالي، واقتراب انتهاء مهمة «مونوسكو» في الكونجو، وتحوّل دور الأمم المتحدة إلى مجرد دعم لبعثات إفريقية؛ انتقل عبء التمويل والتدريب إلى الدول الإفريقية. وهذا التحول أضعف الحاجز الذي كان يفرض حدّاً أدنى من التوازن الأمني، وأتاح لهذه الكيانات الهجينة مساحة أوسع للصعود والتكيف مع الضغوط العسكرية عبر إعادة تدوير تحالفاتها وخطابها. وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن هذه الكيانات لم تعد مجرّد جماعات مسلحة يمكن احتواؤها عسكريّاً أو سياسيّاً؛ بل تحولت إلى «فاعل هجين» يجمع بين الأيديولوجيا والهوية والاقتصاد غير المشروع. وهذا يضعف المقاربات التقليدية، سواء لمكافحة الإرهاب أو تسوية النزاعات؛ فالصراع لم يعد بين دولة ومتمردين، وإنما بين شبكة متعددة المستويات تملك مرونة وأدوات تتجاوز القوالب التقليدية.
وبناءً عليه تبرز تساؤلات جوهرية هي: كيف يمكن لإفريقيا وشركائها إعادة صياغة استجاباتهم؟ وهل يكفي التشبث بالمقاربات الأمنية التقليدية، أم أن المطلوب إعادة هندسة أدوات الوساطة لتستوعب التعقيد الهجين؟ وما الذي يعنيه ذلك لمفهوم السيادة حين يصبح التهديد نتاجاً لتقاطع بين انفصال محلي وعنف عابر للحدود؟
إن تجاهل هذه الأسئلة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج هشاشة مزمنة، وفتح الباب أمام بؤر صراع مفتوحة وعابرة للحدود في قلب القارة. والمفارقة أن ما بدأ تحالفاً ظرفيّاً للبقاء، قد يتحول، إذا استمر تجاهله، إلى صيغة دائمة لإدارة النزاعات؛ إذ تتداخل المطالب المحلية مع الأجندات العالمية في مشهد يصعب ضبطه أو التنبؤ بمساراته. وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة: أن يُولد من رحم هذا التقاطع فاعل يصعب احتواؤه، لا عبر اتفاقيات ولا عبر سلاح، بل عبر إعادة تعريف مقارباتنا نفسها فقط لفهم الصراع وصياغة الحلول.
[email protected]

28 يوليو 2025
التسويات المعلّقة: مأزق السلام الهش في إفريقيا

يسرا الحربي *

رغم تعدد مبادرات السلام في إفريقيا وتنوع رعاتها، لا تزال نتائجها الفعلية محدودة التأثير، خاصة حين يتعلق الأمر بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فغالبية الاتفاقيات، وإن نجحت في خفض مستوى العنف مرحلياً، فإنها نادراً ما تُفضي إلى تحول مستدام في بنية الدولة أو في الإدراك المجتمعي لمفهوم «الوضع الطبيعي»، ما يطرح تساؤلاً حول أسباب فشل معظم الاتفاقات في إرساء الاستقرار المطلوب، رغم الجهود المبذولة دولياً وإقليمياً؟

قد تكون الإجابة الأوضح هي: لأن ما يُراد استعادته، أي «المسار الاعتيادي»، لم يكن اعتيادياً من الأصل. فغالبية الدول الإفريقية الخارجة من النزاع لم تعرف أصلاً لحظة استقرار مؤسسي يُحتذى. بالتالي، فإن الاتفاقات التي تُوقّع من دون إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، سرعان ما تُختزل في وقف هش لإطلاق نار، لا أكثر.

ينطبق ذلك على حالات عديدة: من دارفور التي تجدد العنف فيها، متحدياً «اتفاق جوبا»، إلى إفريقيا الوسطى التي تتنازعها القوى بالوكالة رغم جهود بعثات السلام الأممية والإفريقية. ومن الكاميرون التي فشلت حكومتها في احتواء الهويات المهمّشة بالمناطق الناطقة بالإنجليزية، إلى مالي التي يزداد المشهد فيها تعقيداً رغم «اتفاق الجزائر». في كل تلك التجارب، يظهر نمط مألوف: (اتفاقات نخبوية مقابل مجتمعات غائبة أو مغيّبة).

في ذات الاتجاه، تقدم الكونغو الديمقراطية مثالاً بالغ الوضوح، عندما أعادت في يونيو(حزيران) 2025 تجريب «وصفة التسوية»، بدعم أمريكي مباشر، عندما وقّعت كينشاسا وكيجالي اتفاقاً يستهدف تهدئة العنف بشرق الكونغو، من خلال وقف إطلاق النار، وتفكيك الجماعات المسلحة، وتعزيز التعاون الاقتصادي، بجانب مبادرات لمراقبة تصدير الثروات وتسهيل حركة الاستثمار. ولكن قراءة متأنية لمضامين الاتفاق تُظهر إشكاليات معقدة تُقلل من فرص ترسيخ مشروع للسلام الشامل.

المعضلة الأولى تتمثل في عدم معالجة الاتفاق الجذور التاريخية المسؤولة عن نشأة وتصاعد النزاع، ومنها قضايا الهوية، والنزوح، والذاكرة الجماعية المرتبطة بالإبادة الجماعية في رواندا، والانقسامات العرقية والاتهامات المتبادلة بدعم المعارضة المسلحة. فهل يمكن الحديث عن تسوية حقيقية في ظل غياب معالجات واضحة لهذه الجوانب العميقة؟ وهل تكفي التعهدات الأمنية المتبادلة لتجاوز أزمة ثقة متجذرة بهذا المستوى؟

من جهة أخرى، برزت فجوات في تصميم آليات التنفيذ، إذ لم يتم إقرار جدول زمني محدد لتفكيك الجماعات المسلحة، ولا آليات واضحة لدمجها ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية. كما تفتقر لجنة الرقابة المشتركة إلى صلاحيات ملزمة، ما يشكك في قدرتها على ضمان الامتثال أو معالجة حالات الإخلال بالاتفاق. كما أن الاتفاق تجاهل المشاركة المباشرة لأطراف مسلحة غير حكومية، خاصة حركة «23 مارس»، ما قد يُبقيها خارج الإطار الرسمي للالتزام، ويزيد من احتمالية عرقلتها للاتفاق. فكيف يمكن ضمان تنفيذ اتفاق لا يشمل الأطراف التي تمارس التأثير الميداني الأكبر على الأرض؟

كذلك، فإنه برغم كثافة البعد الاقتصادي في الاتفاق، فإن الطموحات التنموية بدت أقرب إلى تسويق سياسي منها إلى تصور واقعي. فهل تكفي خطوط سكك حديدية ومناطق تجارة حرة، لإنهاء صراع إثني عابر للحدود؟ وهل يمكن فصل التعاون الاقتصادي عن مسألة الثقة، في منطقة لطالما ارتبط فيها الاستثمار بالاستغلال والنهب؟ ثم من يضمن ألا يتحوّل الاتفاق إلى بوابة جديدة لهيمنة الشركات الأجنبية، كما يخشى كثير من الكونغوليين؟ أما في ما يخص البعد الإنساني، فلم تتضمن الوثيقة خطة واضحة لجبر الضرر أو إنصاف الضحايا أو تفعيل آليات للعدالة الانتقالية. بل إن ملف اللاجئين والنازحين لم يُعالَج إلا ضمن إشارات عامة، من دون إطار رقابي يتابع عمليات العودة أو يقدم ضمانات قانونية للعائدين. أليس من الضروري، في أي تسوية تنشد الاستدامة، أن تكون المعالجة الحقوقية جزءاً أصيلاً من الاتفاق لا مكمّلاً ثانوياً له؟

هذه الاختلالات ليست جديدة، لكنها باتت متكررة بشكل يكشف عن نمط إقليمي: يتم اختزال الصراعات في أدواتها الأمنية، وتُترك دوافعها التاريخية والاجتماعية والثقافية بلا علاج، ما يحوّل كل اتفاق إلى هدنة مؤقتة، لا إلى مشروع وطني جديد.

وهذا ما يُعيدنا للسؤال الجوهري: لماذا تُفشل إفريقيا اتفاقاتها؟

ربما آن الأوان لتجاوز مقاربة «الاتفاق من أجل التهدئة» نحو تصور أكثر شمولاً يعيد تعريف غاية التسوية ذاتها. فالسلام، كي يكون مستداماً، لا يمكن اختزاله في تفاهمات رسمية بين أطراف حكومية، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواطنيها، على أساس من العدالة، والمساءلة، والتمثيل المتوازن. ومن دون معالجة شاملة للهويات المهمّشة، وتفكيك البُنى المنتجة للعنف، وإشراك المجتمعات في صياغة ما يُسمى ب«الوضع الطبيعي»، ستظل الاتفاقيات مجرد أدوات لإدارة النزاعات لا لحلها.

هنا تبرز الحاجة إلى تغيير في منطق تصميم الاتفاقات ذاتها: من أدوات فنية إلى عمليات سياسية شاملة تُبنى من الداخل، وتُفعّل عبر مؤسسات قادرة، ومجتمعات ممكّنة، ودعم دولي يدرك أن الاستقرار لا يُمنح، بل يُبنى.

ففي إفريقيا، لا يكون السلام مستداماً حين يُبنى على تفاهمات النخب، بل حين يُعاد تأسيس العقد الاجتماعي من القاعدة، ويُمنح الصوت لمن عاشوا الحرب لا لمن وقّعوا على نهايتها فحسب.

[email protected]