في عالم لا يعرف السكون، حيث الكواكب تدور والمياه تجري والرياح تهب، يظل العمل هو النبض الذي يمنح الحياة معناها، إنه ليس مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل قيمة وجودية وفلسفية وسر من أسرار الكون التي أودعها الله في قوانينه، فمنذ أن نزلت القوانين الهرمسية على سيدنا إدريس عليه السلام، أدرك الإنسان أن الحركة والاهتزاز هما جوهر الحياة، وأن الثبات الطويل ليس إلا موتاً بطيئاً.
العمل.. إيقاع الكون في حياتنا
فالعمل هو مشاركتنا في إيقاع الكون نفسه، تماماً كالماء في جريانه فهو الذي يسيل نحو المنخفضات ويتجنب الصدام ويلتف حول الصخور ليكمل رحلته، هكذا ينبغي للإنسان أن يكون في حركة دائمة، يتجاوز العقبات ويواصل المسير مهما كانت التحديات.
* أولاً: حكمة الشرق التي لا تموت
في الصين القديمة وتحديداً في مملكة تشي، قبل آلاف السنين، كتب الفيلسوف سون تزو في كتابه فن الحرب حكماً واستراتيجيات ما زالت حتى اليوم تؤثر في السياسة والاقتصاد ومن حكمه الخالدة «كن مثل الماء.. لا تتوقف ولا تصطدم، بل التف حول العقبات وتابع طريقك»، إنها فلسفة العمل الدائم والتكيف الذكي مع الظروف وهي ذاتها فلسفة النجاح في الحياة.
* ثانياً: الإسلام.. حين يصبح العمل عبادة
الإسلام رفع العمل إلى مرتبة العبادة وجعل الغاية من وجود الإنسان مرتكزة على ركيزتين عظيمتين: عبادة الله وعمارة الأرض. وقد فهم أجدادنا هذه الحقيقة، فجعلوا حياتهم كلها عبادة وعملاً، رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً.
في الإمارات قديماً، كان المجتمع أشبه بخلية نحل لا تهدأ، من لا يعمل كان ينظر إليه الناس نظرة دونية، لأن العمل كان معيار الكرامة والمكانة.
وقد عشنا جانباً من ذلك الإيقاع الراقي في مجتمع الإمارات في بداية حياتنا وأثرت تلك الحياة في ثقافتنا.
ومع الانفتاح على الغرب، أخذنا الكثير من علومه وتقنياته، لكننا أيضاً استوردنا بعض عاداته الخاطئة، وعلى رأسها ثقافة الاستهلاك وشيئاً فشيئاً، تراجعنا عن نمط الحياة الإنتاجية التي بنت مجتمعنا، وأصبحنا نستهلك أكثر مما ننتج.
العمل ومعنى الحياة
فالعمل لا يمنحك المال فقط، بل يمنحك المعنى، إنك حين تعمل، تكتشف ذاتك وتترك بصمة في الحياة وتشعر أنك جزء من قصة أكبر من نفسك، العمل هو ما يحول الإنسان من كائن يبحث عن البقاء، إلى إنسان يصنع الأثر.
ثالثاً: دور الدولة.. شريك في صناعة مجتمع منتج
إذا أردنا استعادة روح العمل، فعلينا أن نجعلها شراكة بين الفرد والدولة. على الدولة أن توفر بيئة محفزة للعمل الخاص، عبر:
* مكاتب متخصصة لإعداد دراسات الجدوى.
* مساعدة المواطنين في اختيار المشاريع المناسبة لقدراتهم.
* توفير تمويل ميسر للجميع، حتى المتقاعدين، ليستثمروا خبراتهم في مشاريع منتجة.
هذه الخطوات ستسهم في نقل التكنولوجيا وزيادة الإنتاجية وتقوية المجتمع والدولة معاً.
العودة إلى الجذور.. بروح العصر
اليوم ومع نهاية موسم الإجازة وبداية دورة جديدة من الحياة العملية فعلينا أن نشمِّر عن سواعدنا وأن نقبل على أعمالنا بهمة عالية وطاقة إيجابية بعد انتهاء فترة الراحة والاسترخاء، كما وأننا بحاجة إلى عودة حقيقية للجذور، لكن بروح جديدة، أن نستمد من أجدادنا العزيمة ومن قوانين الكون الإصرار على الحركة وأن نمزج ذلك بإنجازات العلم والتكنولوجيا لنصبح مجتمعاً منتجاً، نابضاً بالحياة.
فالعمل ليس خياراً.. العمل حياة ومن يخترْ العمل، يخترْ أن يكون جزءاً من نبض الكون، وأن يكتب اسمه في سجل الذين عمروا الأرض.
العمل.. نبض الحياة وسر الوجود
1 سبتمبر 2025 00:16 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 سبتمبر 00:16 2025
شارك