مع تسارع التطور التكنولوجي في كل مناحي الحياة البشرية قصرت مدة الدورات، من الاقتصاد إلى السياسة إلى التغيرات الطبيعية كالمناخ وغيره. لذا، نجد في السنوات الأخيرة أن الحديث عن «الغليان» في نشاط ما أو قطاع ما من قطاعات الاقتصاد يزيد بوتيرة غير مسبوقة. ولأن المصطلح مرتبط أكثر بالنشاط الاقتصادي فإن الأعوام القليلة الأخيرة شهدت تحذيرات من توقع أكثر من فقاعة. فاستمرار الارتفاع في أسعار العقارات في أكبر أسواقها في أمريكا وأوروبا، جعلت البعض يحذّر من انفجار «فقاعة عقارية» تؤدي إلى أزمة مالية عالمية، كالتي شهدناها عام 2008 مع انهيار سوق قروض الرهن العقاري في أمريكا.
وقبل أعوام قليلة، مع التذبذب الشديد في أسعار العملات المشفّرة ثم ارتفاع سعر أهمها، بيتكوين، بشكل مبالغ فيه بدأنا نقرأ ونسمع عن «فقاعة مشفرات». والآن مع النمو الهائل والسريع لقطاع الذكاء الاصطناعي بدأنا نرى مصطلح «فقاعة الذكاء الاصطناعي» يظهر كثيراً. هذا بالطبع إلى جانب فقاعة الأسهم التي يتكرر الحديث عنها كلما ارتفعت مؤشرات أسواق المال؛ دون عمليات تصحيح تهدئ من ارتفاعها المطّرد.
يعني الغليان في العادة الارتفاع غير المبرر في قيمة الأصول دون سند مادي حقيقي، وهو ما يسبّب الفقاعة التي إما يتم تفريغها بتراجع تدريجي أو تنفجر نتيجة التخلص الكثيف والسريع من الأصول مرة واحدة فتؤدي إلى انهيار وأزمة. ونشير هنا إلى أن «الفقاقيع» لا تقتصر على قطاعات المال والاقتصاد، وإنما أيضاً يحدث غليانٌ سياسيّ أحياناً يؤدي إلى فقاعة. أصبحنا نشهد هذا مع تصاعد التيارات الشعبوية والهامشية بسرعة شديدة وحصولها على أصوات الناخبين بكثافة، لتنفض عنها سريعاً مع أول اختبار عملي لها في الحكم أو الإدارة.
لكن يظل الغليان والفقّاعة مرتبطان أكثر بالاقتصاد والأعمال، وتحديداً بالقطاعات المالية، وإن كان يمكن سحب ما ينطبق عليها إلى بقية «الفقاقيع» في كل مناحي النشاط البشري. أما فقاعة الأسهم فهي شائعة منذ تطورت الأسواق وغالباً ما تكون نهاية دورة ارتفاع يعقبها هبوط ثم تعاود الارتفاع وهكذا. في الأغلب الأعمّ يتم «تنفيث» الفقاعة تدريجياً في هبوط تصحيحي للمؤشرات، وفي مرات قليلة يحدث انفجار للفقّاعة بعمليات بيع هائلة للأسهم في وقت قصير فتنهار أسعارها بقوة.
بالنسبة إلى المشفرات، تكاد الكمية المحددة من عملة بيتكوين تنفد أمام من يعملون على تعدين العملة، وبالتالي طبيعي أن تزيد المضاربة على ما هو مطروح منها وترتفع أسعارها بشكل كبير مغذية فقّاعة. إنما مع دخول العملات المشفّرة في النظام المالي الرسمي كأصل رقمي يمكن استبعاد أن يؤدي انفجار الفقّاعة إلى نهاية المشفّرات. بل على العكس، فإن اعتماد شبكة «البلوك تشين» على نطاق واسع وصدور عملات مشفرة أخرى غير بيتكوين يجعل القطاع باقياً مهما كان التذبذب في قيمة تلك الأصول الرقمية.
نأتي إلى الذكاء الاصطناعي، والذي تبدو فقّاعته في طور الغليان حالياً مع ضخ مئات المليارات في شركاته وإقبال المستثمرين وأصحاب المال المغامرين على تمويل تلك الشركات والناشئة منها أيضاً. صحيح أن التمويل لشركات الذكاء الاصطناعي على مدى الأعوام الثلاثة الماضية في ارتفاع، إلّا أن متطلبات إنشاء مراكز البيانات الهائلة تعني المزيد من الاستثمارات في العامين المقبلين. هذا التضخم في الدين لدى شركات الذكاء الاصطناعي يحمل مخاطرة حقيقية، خاصة إذا لم يحدث ما هو متوقع من تبنّي الشركات والأعمال لبرامج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في نشاطها.
وقد بدأ المستثمرون بالفعل يحسبون مخاطر ألّا تحقق استثماراتهم العائد المرجوّ وأن يؤدي التزاحم للشركات الناشئة في سوق لا يزيد الطلب على منتجه إلى إفلاس بعضها وبالتالي خسارة المليارات؛ لأن الأصول في الذكاء الاصطناعي تشبه إلى حد ما؛ أصول المشفرات، والأصول الرقمية عموماً، فإن المستثمرين الذين وضعوا ملياراتهم فيه قد يجدون أنفسهم في النهاية ليس لديهم سوى أصول لا تساوي الكثير. ربما من المبكّر الحديث عن فقّاعة ذكاء اصطناعي، لكن من الصعب أيضاً تجاهل المؤشرات الحالية، حيث إن أكبر الشركات لم تحقق عائدات بعد تتناسب مع استثماراتها، فضلاً عن تحقيق أرباح أصلاً. فالأرجح أن يستمر غليان قطاع الذكاء الاصطناعي لفترة قبل أن تصبح هناك فقّاعة خطرة تنذر بالانفجار والأزمة.
مع أن المتابع للأخبار والتحليلات والتعليقات، خاصة الاقتصادية منها، يمكن أن يخلص إلى أننا أصبحنا في «زمن الفقاقيع»، إلّا أن الأمر قد يحمل بعض المبالغة. فضلاً عن أن انفجار تلك الفقاعات ليس بالأمر السيئ دائماً، رغم أنه يؤدي إلى خسارة البعض بشدة. فانفجار الفقاقيع يفرغ النظم من السعة الزائدة بدون سند. حتى «تبخّر» التريليونات من النظام المالي العالمي أمر صحيّ أحياناً أيضاً، لأنها تكون في الأغلب ثروة ورقية دون سند في الاقتصاد الحقيقي. ومن المفيد لضمان الاستقرار المالي وسلامة النظام أن يتم تفريغ ضغط الفقاقيع. وهذا ما قصدنا بأنه قد ينطبق على غير الاقتصاد حين تحدث فورات بدون سند. للتبسيط، فإن تكوّن الفقاعة وإن أدى إلى إثراء البعض بشدة أو حصولهم على نفوذ هائل لا يمكن أن يستمر وإلّا تسبب في خلل كبير في النظم. وبالتالي فإن عودة الأصول، مالية وغير مالية، إلى قرب قيمتها الحقيقية والفعلية أمر ضروري وصحي معاً.

[email protected]