في قلب مدينة العين وبين نخيلها الوارف ورمالها الذهبية، تقف قلعة الجاهلي شامخة كحارسٍ أمين على ذاكرة المكان، وهذه القلعة التاريخية التي شُيّدت في أواخر القرن التاسع عشر ليست مجرد جدران من الطين، بل سجل يحكي فصولاً من حياة الأجداد وبطولاتهم، وحرصهم على حماية الأرض وبناء الحضارة الإنسانية، فجدرانها تحفظ حكايات الماضي وروح التراث الإماراتي، حيث تعدّ مقصداً لعشاق التراث والباحثين عن الجمال حيث يلتقي الماضي بالحاضر في مشهد يفيض بالأصالة والعراقة.
وتعتبر قلعة الجاهلي إحدى أكبر القلاع في الإمارات العربية المتحدة، تم بناؤها بأوامر من المغفور له الشيخ زايد الأول الذي أرادها مكان إقامة لأفراد عائلة آل نهيان الحاكمة وتقع في القسم الجنوبي من مدينة العين بالقرب من متحف قصر العين وتتكون في الأساس من حصن مربع عال وبرج دائري منفصل مكون من أربعة طوابق متحدة المركز وترتفع وتضيق على التوالي لكنها اليوم تضم أبراجاً إسطوانية في ثلاث زوايا بينما كانت تحتضن الزاوية الرابعة مجلساً للشيخ يمارس فيه مهامه اليومية ويستقبل ضيوفه ويدير أعماله. وتعد من أبرز المعالم التاريخية والثقافية، وتمثل رمزاً وطنياً وتراثياً عميقاً بدأ تشييدها عام 1891 واكتمل بناؤها 1899م لتشكل رمزاً للهيبة والقوة التي تتمتع بها (دار الزين).
وتعكس القلعة التي كانت مقراً لإقامة الأسرة الحاكمة خلال فصل الصيف الطراز المعماري التقليدي من خلال استخدام الطوب الطيني المجفف بأشعة الشمس في بنائها، ما يعكس براعة البناء والتكيف مع البيئة الصحراوية وخضعت للترميم لتتحول إلى مركز ثقافي وسياحي رائد نابض بالحياة.
وتحتضن على مدار العام مجموعة متنوعة من الفعاليات التي تحتفي بالتراث الإماراتي والتاريخ المحلي وتشمل معارض دائمة ومؤقته وعروضاً موسيقية وفنية وورش عمل تعليمية بالإضافة إلى أنشطة تنظم بالتعاون مع مؤسسات ثقافية محلية ودولية بعنوان (حكايات من العين) و(برنامج بطولات الجاهلي للألعاب الشعبية) ومبادرة (فرحة العيد).
وتعزز قلعة الجاهلي الهوية الثقافية الإماراتية وتُبرز التراث المعماري من خلال تصميمها الفريد بما يعكس فنون البناء الدفاعي التقليدي وتتيح للزوار فرصة التفاعل المباشر مع التاريخ المحلي وتعكس أهمية الكرم والضيافة في المناسبات الاجتماعية من خلال المعارض والفعاليات، حيث تسهم في ترسيخ قيم التراث ونقلها إلى الأجيال القادمة، وتقديراً لتميزها في العمارة الطينية المبتكرة والمستدامة، منحت جائزة العمارة الدولية عام 2010 تكريماً لجهود الترميم والحفاظ على الهوية التاريخية للقلعة مع دمج تقنيات البناء الحديثة. ستبقى القلعة ليست مجرد حجارة بل ذاكرة وطن وقصة هوية راسخة كرسوخ الجبال، وحارساً لذاكرة المكان، وفي صمت أسوارها تسمع خطوات التاريخ الإماراتي، وحكايات لقصص البطولة والبناء وصدى مراحل التطور الإنساني، حيث يجتمع عبق الماضي مع جمال الحاضر لاستشراف مستقبل زاهر بالآمال والأمنيات.

[email protected]