قبل أيام شاهدت حواراً في أحد الأفلام بين طفل وامرأة عجوز، كانت تتحدث عن خوفها من أن تثق بأحد مرة أخرى فينكسر قلبها، فأخبرها الطفل ببساطة أنه كان يملك حذاء للتزلج يحبه كثيراً، وخاف أن يرتديه لئلا يتلف، فاحتفظ به في الصندوق لفترة طويلة، وعندما قرر استخدامه كانت قدماه قد كبرتا ولم يعد الحذاء يناسبه، ثم ختم كلامه بعبارة تختصر الكثير، إذا كنت لن تستخدمي قلبك خوفاً من أن يتحطم، فما فائدة الاحتفاظ به؟.
بصراحة توقفت طويلاً عند هذا الحوار، فنحن نردد دائماً «لم يفت الأوان بعد»، وهي عبارة باعثة على الأمل وصحيحة في مواقف كثيرة، لكنها ليست قاعدة مطلقة في الحياة، فالحقيقة أن بعض الأشياء يفوت أوانها، فهناك فرص لا تعود، وأشخاص يمضون، ولحظات تمر ولا يمنحنا الزمن فرصة لاستعادتها.
وفي العلاقات الإنسانية تحديداً، قد نغرق في انتظار «الشخص المثالي» أو «اللحظة المثالية»، ونرفض ما أمامنا بحثاً عن صورة رسمناها في أذهاننا، ثم تمر السنوات لنكتشف أن الحياة لم تكن واقفة في مكانها تنتظر قرارنا.
والأمر نفسه يحدث في العمل والإنجاز، فكم من فكرة رائعة بقيت حبيسة الأدراج حتى سبقنا شخص آخر إلى تنفيذها؟ وكم من فرصة ضاعت لأننا أدمنّا انتظار «الوقت المناسب» الذي قد لا يأتي؟ ولعل أخطر ما في الأمر أن الخوف يتنكر أحياناً في ثوب الحكمة، فنسمي التردد تأنياً، والخوف من الإقدام دراسة، والهروب من المواجهة انتظاراً للظروف المناسبة.
ربما مشكلتنا أننا نتصرف وكأن ما هو موجود اليوم سيظل موجوداً غداً بالطريقة نفسها، لكن الحياة لا تقدم لنا هذا الضمان، فالناس تتغير، والظروف تتبدل، والفرص تمضي، ونحن أيضاً لا نبقى كما نحن، ولهذا ليس كل تأجيل حكمة، وليس كل انتظار في صالحنا، فهناك أشياء تحتاج الى أن نعيشها في وقتها، لا لأن علينا أن نتعجل الحياة، بل لأننا لا نملك ضماناً بأن ما نستطيع فعله اليوم سيظل ممكناً غداً.
وهكذا بعض الأشياء في حياتنا، نخاف عليها إلى درجة أننا نحرم أنفسنا منها، ثم نكتشف بعد فوات الأوان أن الحفاظ عليها لم يكن في إبقائها داخل الصندوق، بل في أن نعيشها عندما كانت لا تزال على مقاسنا.
