لا يخلو أي نقاش ثقافي في هذه الأيام من نصب «محكمة للأجيال»، نردد فيها عباراتنا الثقيلة: «جيل اليوم لا يقرأ، جيل لا يعرف الشعر، لا يحترم الثقافة»... إلخ.
لكن، لنسأل أنفسنا أولاً، هل نحن فعلاً النموذج الثقافي الذي يجب أن يُحتذى؟ ألسنا نحن من انشغل عن الكتب بالوظيفة والروتين، وأهمل المكتبات قبل أن يفعلوا هم؟ المفارقة أننا نحن المقصرون، ومع ذلك تجدنا دائماً نرفع أصابع الاتهام في وجه جيل لم يختر أدواته، ولكنه ولد معها.
المعادلة قديمة بقدر التاريخ نفسه، كل جيل يظن أنه المقياس الصحيح للحياة والثقافة، وأن ما عاشه هو المعيار الذي يجب أن توزن به الأجيال القادمة، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الظن إلى حكم قاسٍ على من بعدنا، نحن اليوم نقع في الفخ نفسه، نحاكم أبناءنا بأدواتنا نحن، وننسى أنهم جزء من عالم آخر وبعقلية أخرى، وبأفق أوسع مما تخيلناه.
جيلنا الحالي تشكل في فضاء قائم على التلقي، على انتظار ما يُكتب وما يقال، لنقرأه ونخزنه في الذاكرة، ثم نعيد تداوله في حواراتنا، لكن جيل اليوم له أدوات تتجاوز الورق والحبر، مختصراً فضاء المعرفة في شاشة بحجم الكف، وخوارزميات تعرف كيف توصله إلى المعلومة والفكرة، وحتى التجربة الحياتية، وذلك في ثوانٍ معدودة.
نحن جيل نقيس الثقافة بعدد الكتب المقروءة التي سقط غلافها في أيدينا، بينما هم يقيسونها بمدى القدرة على الوصول إلى المعرفة وتوظيفها في حياتهم، جيلنا يقدس المكتبة الورقية، بينما هم يبنون مكتباتهم على السحابة.
الخطأ الأكبر أن نضع هذا الجيل في قفص الاتهام ونحاكمه بمقاييسنا، بينما في الحقيقة هو جيل يقرأ وينهل من ثقافة جديدة فيها نصوص سريعة، ومحاضرات مصورة، ومحتوى تفاعلي، نقول عنه إنه جيل لا يحفظ الشعر، بينما هو يحفظه لكن عبر الذاكرة الرقمية، ويشارك به ويعلق عليه وينسخه وينشره في لحظة، نقول عنه إنه جيل مشتت، بينما هو فقط متعدد النوافذ والخيارات بعكس بدايات جيلنا.
المشكلة الحقيقية، فيمن يصرُّ على رؤية الثقافة بشكلها القديم، ويخاف من الاعتراف بأن الثقافة لم تعد كتاباً أو نصاً شعرياً، وإنما تحولت إلى منظومة مفتوحة على الموسيقى والسينما والألعاب الإلكترونية والفنون الرقمية والتجارب الافتراضية، نحن جيل لا يريد أن يتقبل أن الذكاء الاصطناعي صار جزءاً من أدوات التعلم، وأن «الترند» أحياناً يفتح باباً أوسع للحوار مما تفعله كتب النقد.
المحاكمة الحقيقية ليست لهم، بل لنا نحن الذين لم نتعلم بعد كيف نرى الثقافة بمنظارها الجديد.
[email protected]
أبناء الزمن الآخر
6 سبتمبر 2025 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 سبتمبر 2025 00:03 صباحًا
شارك