يليق بسياسة بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وصف الهراء الآتي من مصر على لسان بدر عبدالعاطي، وزير خارجيتها، في أحدث تعليق على تصريحات الأول بشأن تهجير الفلسطينيين من غزة، وهي لا تنسف فقط كل الجهود التي بذلت لوقف الحرب العبثية فيها، إنما تتعامى عن الغضب العربي والدولي والتحذيرات المتتالية من عواقب ما يجري على المنطقة والعالم.
لا يستمرئ نتنياهو والذين معه تحدي القوانين الدولية والإنسانية فحسب، بل يصم أذنيه عن الرسائل العربية الغاضبة، ويحسب أن سياسة الأمر الواقع ستحقق أوهامه، وأوضحها الآن إحساسه بأنه أقوى من محيطه، وأن كل نقطة بلغها بالاتفاق أو السلاح لا يمكن أن يزحزحه عنها شيء، وهذا وجه آخر للهراء.
ليس معروفاً على أي شيء يراهن نتنياهو: النسيان، أم القوة المفرطة، أم الدعم الأمريكي الذي لم يعد قائماً فقط على مبدأ شهير وهو ضمان تفوق إسرائيل على كل ما حولها، وإنما تعداه إلى تهديد كل الدول العربية بالسماح بالعبث بالخرائط لصنع جغرافيا جديدة لا تقيم اعتباراً لمصالحها الاستراتيجية الكبرى، حتى مع تفهُّم المبدأ الأمريكي الهادف للتفوق الإسرائيلي، كانت واشنطن تملك مساحة للتحرك كوسيط يهمه أيضاً استقرار المنطقة، ومن هنا كان التعاون العربي معه، بمشاركة مباشرة من مصر وقطر، في ملف التفاوض بين إسرائيل و«حماس» لإنهاء الحرب وتشجيع كل التفاهمات التي تؤدي إلى ذلك.
وفي كل الظروف، أعلن العرب الرفض القاطع لفكرة تهجير الفلسطينيين بكل التصورات التي أعلنها الإسرائيليون والأمريكيون، لكن يبدو أن اشتراكهم في المفاوضات وادعاء تراجعهم عن الفكرة أحياناً كانا مراوغة نرى تجلياتها الآن في الهراء الإسرائيلي العائد بالملف إلى مربعه الأول. كأن الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون، وأجبر عدداً من دول العالم على تغيير مواقفها من إسرائيل، لا اعتبار له في حسابات السياسة الإسرائيلية التي يمتزج فيها الوهم بالغطرسة.
كأن كل الرسائل العربية والعالمية لم تبلغ تل أبيب، لذلك يمضي صناع سياستها في الطريق نفسه، بل يزيدون إصراراً على تغييب الشعب الفلسطيني بكل الوسائل الوحشية، ويحمّلون غيرهم نتائج ذلك. لا يرى بنيامين نتنياهو أي عاقبه لسياساته، لم يقرأ جيداً القول إن أي اتفاق سلام ليس مقدساً ولا أبدياً، ولا معنى له إذا بقي مصرّاً على ربط تصرفاته وتصريحاته بهراء لا ينبغي أن يكون في أي عمل سياسي.
نتنياهو الذي لم يعد قادراً على تبرير سياسات إسرائيل أمام الغرب، باستثناء الولايات المتحدة، لا يمكن أن تنطلي على محيطها، قادة وشعوباً، ويصعب معها أن تبقى كل الأوراق كما هي، فإبادة الفلسطينيين أقرب إلينا مما يتصور، وجهدنا في معاونتهم على احتمالها وإنهائها لا يعني غض الطرف عن المتسبب فيها، ولا مواجهة إسرائيل تحديداً بدورها الأكبر في صنع واحدة من أكبر مآسي التاريخ. بوسع نتنياهو أن يمضي في هرائه، لكن ذلك لا يمحو مسؤوليته، ولن يجدي تهربه من الحساب.
الهراء الإسرائيلي
7 سبتمبر 2025 00:15 صباحًا
|
آخر تحديث:
7 سبتمبر 2025 00:15 صباحًا
شارك