عندما يفتتح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب، صباح اليوم، فإنه يضيء شعلة جديدة في مسار الحضارة العربية. نعم، فالكتاب هو شعلة الحضارة، ومن دونه لا يمكن لحضارة أن تكتمل، أو لثقافة أن تثمر، أو لتنمية أن تزدهر. ذلك هو دأب سلطان منذ أكثر من نصف قرن، فعلى مدار هذه السنوات لم يكن لسموه من همٍّ إلا استعادة الحضارة العربية، ولم تكن له من منهجية إلا الثقافة، وكان الكتاب أبرز أدواته.
آمن سلطان بأن الثقافة قوة ناعمة، قوة تحفر في الروح، وتعيد تشكيل الصور الذهنية، وتؤسس مفاهيم جديدة للعلاقات ترتكز على الاحترام. وفي هذه الجوانب كلها، نجح سلطان نجاحاً منقطع النظير، وتحول جهده ودأبه إلى درس تستفيد منه الأجيال القادمة، وتحول عمله إلى قصة تدعو إلى الفرح والفكر، وتحتاج أيضاً إلى القراءة والتحليل.
صاحب السمو حاكم الشارقة أحد أركان تجربة الإمارات الفتية، فبجوار السياسة الثابتة والمبدئية للدولة، والاقتصاد المزدهر والمتقدم في جميع المؤشرات الدولية، ركز سموه على الثقافة، وأصبح أميناً عليها يرعاها باستمرار، وبالثقافة اكتملت منظومة نجاح وطننا الحبيب.
اليوم، إذا ذُكرت الإمارات في أي مكان في العالم، صاحبتها مفاهيم ودلالات متعددة.. هي إمارات المبادئ، وإمارات التنمية، وإمارات الثقافة والمعرفة. وباتت الثقافة العربية في الإمارات حقيقة تتحدث عن نفسها، وتحولت الشارقة إلى مركز ثقافي يذكرنا بمراكز ثقافية عربية عديدة على مدى العصور.
حصد صاحب السمو ثمار جهده ودأبه، ليس على المستوى العربي وحسب، فلا يمر عام إلا وتحقق الشارقة إنجازاً ثقافياً دولياً. ففي عام تحل الشارقة ضيف شرف في معرض في بولندا أو المكسيك، وفي عام آخر تحصل على لقب العاصمة العالمية للكتاب، وفي عام ثالث تمنح إحدى الجامعات الدولية العريقة سموه أرفع شهاداتها التكريمية، أو تفوز سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي بمنصب رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين.
في سردية صاحب السمو حاكم الشارقة قبسٌ من رحلات دائمة قضاها سموه في صحبة الثقافة. فأنت تراه في المعارض الدولية محاضراً في إحدى الندوات، أو موقعاً كتاباً حديثاً له. وأنت تقرأ أنه تجول في مكتبات العالم المركزية للحصول على هذه المخطوطة أو تلك، لكي يكمل أحد الأبحاث التي يعمل عليها. وفي سرديته، مرة أخرى، قبسٌ من كاتب متفرد وباحث نادر. ولننظر إلى كل هذه السنوات التي قضاها في تأليف موسوعاته، فأنت بإمكانك أن تطلع على عناوينها وموضوعاتها فقط، لتكتشف الجهد الذي بذله، والقضايا التي ناقشها، والحقيقة التي سعى إلى الوصول إليها، والصور الذهنية المغلوطة عن العرب وأهل منطقة الخليج التي صححها.
عندما تُسرد حكاية سلطان، هناك إنجاز ضخم من مشروعات ثقافية كانت دوماً أحلاماً مؤجلة للمثقفين العرب. فمنذ قرن لم تنجح المحاولات في إصدار المعجم التاريخي للغة العربية، لكنها اكتملت بجهود سلطان.
إنجاز سلطان الثقافي بات أكبر من مؤسسة، حملها رجل واحد على عاتقه.. مؤسسة كبرت يوماً بعد الآخر، حتى أصبحت قاموساً زاخراً بالمفردات والمعاني. فأنت إذا بحثت عن كلمة «مسرح عربي ناهض»، ستصادفك بالتأكيد مؤلفات سموه وجهوده في الارتقاء بالمسرح على مستويات عدة، وإذا ذهبت تبحث عن التشكيل، ستقابلك مهرجانات وملتقيات عديدة عن الفنون الإسلامية والعالمية، وإذا فتشت عن التراث، ستعثر على كل ما يروي عطشك إلى ذاكرة الأجداد هنا في الشارقة، سواء في مؤلفات سلطان، أو مؤسسات معنية بالتراث، أو معمار تأخذك أصالته وجمالياته إلى آفاق أخرى، ولن تجد مفردة واحدة في قاموس سلطان الثقافي غائبة.
بين سردية سلطان المشرقة وقاموسه الشامل، هناك دلالات عدة علينا أن نلتفت إليها. لقد باتت الشارقة تُذكر عندما تخطر على البال كلمة ثقافة، وباتت الإمارات، كما هي بلد المنعة والعزة والتقدم الاقتصادي، بلد الحضارة أيضاً.
شارقة سلطان تحتفي اليوم بالكتاب، وتحتفي بها الكلمة، ويلتقي على أرض الإمارات الفكر بالإبداع، والإنسان بإنسانيته، لتكتب الإمارة الباسمة فصلاً جديداً في سيرة الحضارة.
