يبدو أن ما بُذل من جهود ووساطات مكوكية خلال الأيام الماضية لقطع الطريق على استئناف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، عرضة للضياع خلال الساعات الماضية، وأن السيئ الذي تتحسب له دول المنطقة آتٍ، إن لم يكن خلال ساعات ففي خلال أيام.
وتوقع الأسوأ ليس من باب التشاؤم، فبوادره أطلت برأسها خلال الساعات الماضية بأكثر من وجه تتراوح بين تحذيرات عدة من ساسة ومسؤولين من مغبة الرجوع إلى ساحة المواجهة العسكرية بما تجره على المنطقة والعالم من ويلات، مروراً باليأس المحيط بالجهات المنخرطة في الوساطة البادي منها للعيان والخفي، وصولاً إلى الانفجارات التي شهدتها مواقع إيرانية وقالت وسائل إعلام أمريكية إنها نتيجة ضربات أمريكية تحمل رسائل مزدوجة لصنّاع القرار في طهران.
حين تأتي الضربات عشية الانتخابات النصفية الأمريكية، فهي حمّالة أوجه، ومن الممكن القول إنها تنبيه للجانب الإيراني بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تشغله المنافسة الانتخابية، بكل ما فيها من مؤشرات غير مطمئنة لحزبه، حاضر في ساحة المواجهة وقادر على تحريك معطياتها حين يشاء. وهذه الضربات أيضاً تصلح محاولة جديدة للضغط على المفاوض الإيراني ليجنح إلى الاتفاق الذي يجنّب كل الأطراف خسائر جديدة ويريح المنطقة والعالم من موجة أخرى من الاضطراب المنعكس في اقتصاده وأمنه والواصل إلى التفاصيل اليومية لحياة معظم الشعوب.
وفي التقدير الأسوأ، يمكن للضربات الأمريكية على مواقع إيرانية أن تكون الإشارة الأخيرة قبل تجدد الحرب، وأن تعني أن ترامب عازم إلى العودة إليها مهما كانت نتيجة الانتخابات النصفية التي يراهن الجانب الإيراني على نتائجها، متوقعاً أن تخذل الرئيس الأمريكي وتعاقبه بسبب تبعات الصراع في الشرق الأوسط وآثاره، وأن تغل يده عن العودة القوية إليه. ومعروف أن هذا الاستحقاق الانتخابي كان منذ شهور أمام عيني الجانب الإيراني، فعمد إلى تضييع الشهور السابقة عليه، وكسب كثيراً من الوقت في مفاوضات ولقاءات إقليمية ودولية، ورسم تحركاته المستقبلية بناء على النتائج.
في كل الأحوال، حين تأتي الضربات الأمريكية التي استهدفت، وفق وسائل الإعلام، جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز عشية الانتخابات، فهي، أياً تكن مراميها، تعني أن الآمال تتلاشى في الوصول إلى اتفاق، وأن أجواء التوتر أقرب إلى التحول لجولة جديدة من الحرب تختلف عما سبق، فالساحة ستكون أوسع مما قبل بعدما أصبح باب المندب ومحيطه في قلب التطورات مساوياً لمضيق هرمز، والحضور الروسي الصيني في التفاصيل أوضح الآن من ذي قبل، وتبعات الصراع أكثر حضوراً في عواصم أوروبية، فضلاً عن ضبابية المشاركة المحتملة لإسرائيل في المواجهة وتأثرها بتوجهات الأطراف المتنافسة على قيادتها السياسية بعد الانتخابات غير الحاسمة.
نحن أمام سخونة محتملة في المنطقة قد لا تبقى طويلاً في إطار التهديد المتبادل، وحسم الأمر سيكون أكثر كلفة لكل الأطراف.
