من منا لم تأسره حكايات الجدات والأمهات في أمسيات الطفولة؟ كنا نطلب سماع حكايات قبل النوم مرة بعد أخرى، مع أننا نحفظ أحداثها ونعرف نهاياتها، لم يكن يهمنا أن نعرف ما سيحدث للبطل، أو كيف ستنتهي مغامرته، فقد كنا نعرف ذلك كله، ومع هذا ننتظر الحكاية كأننا نسمعها للمرة الأولى، فما الذي يجعل الطفل يصغي إلى حكاية يعرف تفاصيلها، دون أن يصيبه الملل؟
كبرنا، ثم أدركنا أن ما كنا نبحث عنه في تلك الأمسيات لم يكن تفاصيل الأحداث وحدها، وإنما صوت من يرويها، والدفء الذي يحيط بالكلمات، والشعور بأن العالم، مهما اتسع وغابت عنا أسراره، يمكن أن نفهمه إذا أصغينا إلى حكاية عنه، نعم كانت الحكاية تمنحنا شيئاً من الطمأنينة، وتفتح أمامنا أبواباً لم نكن نعرف بوجودها، وتساعدنا على فهم مشاعر لم نكن نملك تعريفاً لها، ومن خلال تلك الحكايات تعرفنا إلى الحب والخوف والشجاعة والفقد، وخضنا تجارب لم نعشها، وسافرنا إلى أماكن لم نرها، وعرفنا أشخاصاً استمروا معنا حتى بعد أن انتهت الحكاية.
تعلم الإنسان كيف يحكي قبل أن يتعلم الكتابة، وقبل أن تظهر الكتب والمكتبات، كانت الحكاية تتنقل عبر الأثير وعبر أمواج الصوت، تتنقل بين ذاكرة وأخرى، تحمل معها تجارب ومعتقدات وبعض الأحلام، كما نقل الإنسان عبرها ما أراد لمن بعده من الأجيال، وهكذا ومع مرور الزمن ورغم تغير وسائل الرواية، إلا أن الحاجة إلى الحكاية بقيت، فما زلنا نروي ما حدث معنا، ونستعيد تجاربنا، لتكون الخلاصة عبرة أو حكمة تساعدنا على مواجهة المستقبل.
ولأن الحكاية ارتبطت بالذاكرة، فقد كان الكتاب امتداداً طبيعياً لهذه الذاكرة، نختزن بين دفتيه ما يوثق التجارب لنعود إليها عند الحاجة، لتمنحنا فرصة للنظر إليه من جديد، وقد منحت الكتب الحكاية روحاً جديدة، ووسعت دائرة من يسمعونها، وأتاحت لها أن تعبر البلدان والأجيال، وما كان يرويه الإنسان أصبح بالإمكان أن نجده بين صفحات كتاب، ونقرأه في أي وقت، ونعود إليه كلما أردنا اكتشاف ما فاتنا في المرة الأولى.
والكتاب أيضاً مساحة يلتقي فيها من صنع الحكاية بمن يقرؤها، فالكاتب يضع عصارة تجربته على الورق، مانحاً القارئ فرصة ليرى الحكاية والفكرة من زاويته ووفق تجربته الخاصة، لذا قد يقرأ شخصان الكتاب نفسه، لكنّ كلاً منهما يخرج منه بحكاية مختلفة، لأن القراءة في حقيقتها استدعاء للذكريات والمشاعر، والصفحات قد تصبح مرايا تنعكس عليها رؤيتنا للعالم.
هذا العام اختار معرض الشارقة الدولي للكتاب شعار «من صُنع الحكايات»، وهذا اختيار يعيد معه المعرض ربط ذلك الخيط الرفيع الذي يربط بين الحكاية وصانعها وقارئها، فالمعرض الذي يجمع الكتب والناشرين والقراء من مختلف مشارب الأرض، يتيح لنا أن نتأمل الرحلة التي قطعتها الحكاية منذ بداياتها الشفهية حتى صارت كتاباً ينتقل بين الأيدي، وأن نرى كيف تتعدد أشكالها بتعدد التجارب، يلتقي فيها القارئ مع عوالم لم يعرفها، وربما لهذا السبب تحديداً نعود إلى الكتب مهما تغيرت وسائل المعرفة، ونظل نبحث عن حكاية جديدة أو نعيد قراءة حكاية قديمة.
لقد صنعت الحكايات جانباً من ذاكرتنا الفردية والجماعية، وأسهمت في تشكيل نظرتنا إلى العالم، ولا تزال تمنحنا فرصة لفهم أنفسنا والآخرين، فمن الحكايات التي سمعناها في طفولتنا إلى الكتب التي نفتحها اليوم، سوف نبقى جميعاً جزءاً من رحلة طويلة، بدأت من جملة: «اسمع، سأحكي لك».
