أن تبلغ إسرائيل حد تهديد الدول المتجهة إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية باتخاذ إجراءات أحادية في الأراضي الفلسطينية، فذلك يعتبر محاولة لمداراة الإحساس الإسرائيلي المتنامي بالعزلة الدولية المرشحة للتفاقم إلى النبذ.
تدرك إسرائيل حجم التغيرات التي طالت صورتها في العالم من أثر ما تفعله في غزة تحديداً، والضفة الغربية، وإصرارها على تحدي القانون الدولي بتصرفات أصبح من المعتاد غربياً وصفها بالإبادة الجماعية لسكان القطاع، بما في ذلك التجويع الممنهج والحرمان من العلاج، فضلاً عن مضيها في مخططات استيطانية تعطل بها نوايا الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ورغم هذا الإدراك، ترى إسرائيل في المكابرة والمراوغة سبيلاً وحيداً للتغطية على مسلكها الذي لم يعد رفضه يأتي من خارجها، بل ينطلق من قلبها.
من القدس، دعا لارس لوكه راسموسن، إسرائيل إلى «تغيير مسارها» ووقف حملتها العسكرية، معبراً عن قلق بلاده البالغ من الوضع الإنساني المترتب عليها. وفي المباحثات مع نظيره الدنماركي، دعا جدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي، كوبنهاجن إلى عدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، خوفاً من انضمام دول جديدة إلى هذا الاتجاه. ورغم أن الوزير الدنماركي قال إن بلاده ليست بصدد اتخاذ هذه الخطوة، فإنه أكد أنها لو أرادت فلن تمنعها إسرائيل.
تحاول إسرائيل بكل الوسائل قطع الطريق على توجّه اعتراف أكثر من دولة أوروبية رسمياً بدولة فلسطين خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تنعقد هذا الشهر، وهو أمر بدأت فرنسا بإعلانه في يوليو/ تموز الماضي وتبعتها أكثر من عشر دول بينها كندا وأستراليا وبلجيكا. وكان إعلان إسرائيل عن مخططها الاستيطاني الضخم في الضفة الغربية وسيلة في هذا الاتجاه الرامي إلى تمييع معنى الدولة الفلسطينية وتذويب حدودها، وبالتالي انعدام آثار الاعتراف بها.
ولولا إعلان الإمارات أي ضم للضفة خطاً أحمر في ثوابتها السياسية وأن تجاوزه يعني مراجعة أمور كثيرة، وهو أمر تشاركها فيه دول عدة، ما خففت إسرائيل نهجها الاستيطاني، غير أنها تعود إلى التلويح به الآن في صورة إجراءات أحادية ستتخذها رداً على الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
مرة أخرى، لم تعد إسرائيل كما كانت طويلاً في عيون الغرب، ومهما تملصت من التزامات أو مبادئ، فإنها لن تلاقي غير الإجماع على حل الدولتين طريقاً لاستعادة الاستقرار في المنطقة والعالم.
والتهديد بحل أحادي سبق إليه بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، الأسبوع الماضي، ويكرره الآن جدعون ساعر، وقد يتبعه غيره. وفي كل الأحوال، سيبقى هذا التهديد تعبيراً عن مأزق سياسي سيتفاقم كلما اقترب موعد الجمعية العامة للأمم المتحدة ولن تجدي معه محاولات الالتفاف والمراوغة وتضييع الوقت، خاصة أن الثقة في إسرائيل موضع مراجعة، لاسيما مع تصعيدها المتواصل في غزة، وتصميمها على إجراءات مرفوضة من الجميع.
على صانع السياسة الإسرائيلية الآن أن يعترف بما أدت إليه سياساته، وأن يدرك أن أمد المراوغة لن يطول.