في نهاية حقبة التسعينات من القرن الماضي تعددت الأدبيات الناقدة للمثقف وأدواره وحتى في علاقته بالجمهور وإنتاجه للمعرفة، تزامن ذلك مع الإعلان عن موت المثقف وأعقبته سلسلة إعلانات أخرى عن موت الكاتب وموت الناقد..الخ، كانت هناك فتنة بالتأريخ لنهايات الأفكار الكبرى في ما يتعلق بالجانب الأيديولوجي والثقافي، في هذا الإطار صدر كتاب المفكر اللبناني علي حرب «أوهام النخبة» والذي ذهب فيه إلى أن المثقف بعد أن فرض نفسه معلماً وموجهاً للبشر اتضح بالتجربة أنه أحوج الناس إلى التنوير، وهناك من بشر بصعود الثقافة المرئية إزاء الثقافة المكتوبة، وأخبرنا الناقد السعودي عبد الله الغذامي أن الشعبوي يزدهر على حساب النخبوي بما يتضمن نقداً مبطناً للمثقف، وعاد الغذامي بعد فترة قليلة ليبشرنا بضرورة اختزال الكتابة نفسها في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، وتحدث المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز في كتابه «نهاية الداعية» عن أخطاء، بل خطايا، ارتكبها المثقفون في جدلهم مع بعضهم، خطايا وصلت إلى النفي والإقصاء.
كان نقد المثقف، على حدود الألفية الجديدة، يطال مختلف مدارات عمله، وتزامن ذلك مع وصول مختلف القضايا التي ناقشها المثقف خلال نصف قرن على الأقل إلى طريق مسدود، لقد كان العالم يتغير بالفعل، والعولمة تسود جهات الأرض الأربع ولا يزال معظم مثقفينا يناقشون سؤال الأنا –الآخر الذي نشأ مع النهضة العربية الحديثة، فضلاً عن حزمة أخرى من الأسئلة التي نمت وترعرعت على هامش هذا السؤال المركزي، وفي ذلك الوقت شهدت مجتمعاتنا ظواهر عدة كانت جديدة بالفعل على المثقف، كانت هناك شرائح شابة ضخمة الحجم، تمتلك تطلعات مختلفة وأساليب تفكير مغايرة، في ظاهرة أطلق عليها الاجتماعي المصري جلال أمين «عصر الجماهير الغفيرة»، وكانت هناك ظاهرة ثانية تمثلت في التكنولوجيا الحديثة بما تفعله من تغيير جذري في الوعي، أما الظاهرة الثالثة فتمثلت في وفاة معظم رموزنا الثقافية تباعاً خلال العقدين الماضيين، مع عجز واضح عن إنتاج رموز بديلة، وكلها ظواهر انعكست في تعامل نخبنا مع ما سمي ب«الربيع العربي»، وهو تعامل جاء دون المتوقع وعلى المستويات كافة سواء في التحليل أو التنظير أو الكتابة الإبداعية.
إذن بدأت أزمة المثقفين داخلية من خلال رؤى انتقدتهم بقوة إلى درجة تقترب من النقض، وأعقب ذلك تحولات واقعية لم يستطع المثقفون مواكبتها، ثم جاءت ثورة التكنولوجيا فائقة الحداثة لتكتب شبه خاتمة لفئة طالما حملت هم التفكير الجمعي ووضعته في مقدمة أولوياتها، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل صنعت تلك التكنولوجيا نخبتها وأطلقت عليها مرة وصف «المؤثرين» ومرة «صناع المحتوى»، وبات الكثيرون يسألون عن أوجه الشبه والاختلاف بين المثقف والمؤثر؟ وهل انتهى المثقف الكلاسيكي بالفعل؟
إن آليات عمل التكنولوجيا الحديثة، وعلى خلاف ما توحي به للوهلة الأولى، لا تسمح بقدر كبير من الفردانية، بمعنى أنها أولاً: لا تحتفي بفكرة المرجعية أو الرمز أو الصعود بالفرد، أي أنها ضد فكرة المثقف وخاصة «المثقف النجم»، ثانياً: لا تبقى هذه التكنولوجيا على نخبتها لفترة طويلة، بمعنى أننا كل يوم وعلى مدار الساعة في حضرة «مؤثرين» جدد، هنا أيضاً تكون فكرة التأثير نفسها موضع تساؤل فهي متغيرة لحظياً ولا يمكن الإمساك بها أو معرفة قواها الفاعلة، بمعنى أن التكنولوجيا في جوهرها ضد أطروحة النخب في الأساس، حتى لو بدا في الظاهر أن هناك نخبة ما يمكن أن نلمحها في هذا الموقع أو ذاك.
هل انتهى زمن المثقف؟ سؤال فيه نظر وأخذ ورد، ولكن الأهم هو سؤال هل انتهت الحاجة إلى المثقف؟ ربما تتراجع أدواره ووظائفه، ربما يسرق آخرون قدرته على التأثير وتوجيه الرأي العام، ولكن الحاجة إليه كمنتج للإبداع والمعرفة لن تتوقف إلا إذا توقفنا عن التفكير والقراءة والكتابة وتذوق الجمال ورؤية العالم من منظور أرحب.
أزمات متتالية للمثقفين
9 سبتمبر 2025 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
9 سبتمبر 2025 00:03 صباحًا
شارك