لم تتوقف ردود الفعل على العرض العسكري الضخم الذي أجرته الصين قبل أيام قليلة بمناسبة الذكرى الثمانين للنصر في الحرب العالمية الثانية، ومازالت الدوائر الغربية تدرس مشاهده وتقرأ رسائله، وبعضها يقارنه بالاستعراض العسكري الأمريكي الذي حضره دونالد ترامب منتصف يونيو/ حزيران الماضي بمناسبة مرور 250 عاماً على تأسيس جيش الولايات المتحدة.
لم يكلف العرض الأمريكي خزينة الدولة سوى 45 مليون دولار، أما الصين فقد صرفت نحو 5 مليارات دولار واستدعت قادة 24 دولة يتقدمهم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والكوري الشمالي كيم جونغ أون، وكانت الغاية من المبلغ الضخم والحضور الدولي المثير للانتباه، رسم صورة للقوة الصينية تظهر قدرة هذه الدولة وحلفائها على تشكيل قطب وازن يوازي أو يتفوق على القطب الغربي. وهذا ما استنتجه ترامب بتعليقه على العرض المهيب، الذي قال إنه تابعه بدقة واستنتج منه وجود «مؤامرة» يقودها شي جين بينغ بمعية بوتين وكيم، وهو ما تم نفيه من بكين وموسكو، لكن هذا النفي أيضاً لا يخفي طموحات الصين المعلنة مع روسيا إلى إعادة بناء النظام الدولي الذي اهترأ وتآكل، وبالنتيجة تقويض القيادة الأمريكية للعالم.
ولذلك اعتبر كثيرون في الغرب أن الهيبة والتناسق والانضباط التي طغت على تحرك آلاف الجنود والآليات في العرض الصيني كانت بمثابة تحدٍ صارخ للقوة الأمريكية التي مازالت تتباهى بأنها تملك أقوى جيش وأعلى موازنة، وتحاول من فترة إلى أخرى ترميم الصورة التي تشظت بفعل الإجهاد الطويل في الحروب والأزمات. وربما محاولة لتلميع هذه الصورة قرر ترامب تغيير اسم وزارة الدفاع (البنتاغون) إلى «وزارة الحرب»، وهو تغيير لا يقدم ولا يؤخر في الواقع الدولي الفوضوي، فتغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية لن يقذف الرعب في قلب الصين وروسيا، ولن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء ولن يتوقف مسار التاريخ عند هذه النقطة حتى تظل الولايات المتحدة سيدة العالم.
الصين ثاني قوة اقتصادية عالمية بعد الولايات المتحدة، وتتزعم منظمة شنغهاي للتعاون وتكتل «بريكس»، أعدت جيداً لهذا العرض العسكري الضخم لتظهر، للمرة الأولى، ذراعها العسكرية الضاربة ولتكتمل معالم القوة القادرة على قيادة قطب عالمي في سياق خطة إعادة بناء النظام الدولي الذي تضعضعت أركانه في السنوات الخمس الأخيرة، بدءاً من جائحة «كورونا» وفي الأزمة الأوكرانية، وكانت الضربة القاضية لهذا النظام المتداعي بالعدوان على غزة والبلطجة الإسرائيلية في المنطقة التي تجاوزت كل الحدود، وتفرض بإلحاح سؤالاً أخلاقياً على مصداقية المجتمع الدولي.
العالم يتغير، هذه حتمية تاريخية لا تتصل بالرغبات أو الخيارات لهذه الدولة أو تلك، وإنما تفرضها حالة الفوضى والانفلات، التي تهز العلاقات الدولية، وغياب الثقة والمسؤولية لدى بعض الأطراف، التي لم تعد تتعامل مع الآخرين وفق الأسس والمبادئ، بل بمنطق الصفقات والخديعة والتدخل غير المدروس وتأجيج الأزمات بدل إخمادها. وفي ظل هذه التجربة، التي ترسخت خصوصاً في السنوات الأخيرة، أصبح العالم بين صورتين تسطع إحداهما على حساب الأخرى وتنقضها بهدف تصحيح الأوضاع. وهذه النتيجة ليست مفاجئة، لأن الطبيعة تكره الفراغ، والتاريخ لا يحفل بالعبث والجنون الذي استفحل بشدة في هذه المرحلة.