يحيى زكي
في عام 2003 صدر تقرير التنمية الإنسانية العربية تحت عنوان «بناء مجتمع المعرفة»، وتضمن أرقاماً مفزعة وقتها بخصوص ما يترجمه العالم العربي سنوياً من الكتب، ومرت السنوات وتعددت مشاريع الترجمة في أكثر من بلد عربي، كما نشطت العديد من دور النشر في هذا القطاع، ولكن لا تقرير مماثلاً أو دراسة جديدة تخبرنا عما حققناه من تقدم في الترجمة بعد مرور أكثر من عقدين على التقرير الأول.
وفي ظل غياب معلومات عن حال الترجمة في الأقطار العربية، لا يبقى أمام المتابع إلا المشاهدات وتسجيل بعض الملاحظات والانطباعات. هناك مثلاً مسألة غياب التنسيق بين جهات ومؤسسات الترجمة المختلفة، وإذا تجولنا في أي معرض عربي للكتاب أو حتى في إحدى دور بيع الكتب فسنلاحظ أن بعض الكتب تترجم أكثر من مرة، وربما يتزامن تاريخ الصدور بين هذه الترجمات.
من جانب آخر بإمكاننا أن نلمح أن أكثر الكتب المترجمة خلال السنوات الأخيرة تدور في مجالين: الأدب، وتحديداً الرواية، وكتب تطوير الذات، الأمر الذي يشير إلى ظاهرتين، الأولى يعرفها كل قراء التاريخ الفكري والحضاري للشعوب وهي أن انتشار القص أو الحكي يشير إلى التراجع المعرفي وسيادة الرغبة في تمضية أوقات الفراغ، عبر التسلية بقراءة الروايات الخفيفة، ولذلك يلفت النظر أن معظم تلك الروايات المترجمة هي روايات بوليسية وتشويقية، لا تنتمي إلى فن الرواية الثقيل، أما انتشار كتب تطوير الذات فيؤشر إلى تحولات اجتماعية في حاجة ماسة إلى الدراسة، فتلك الكتب ترشد القارئ إلى كيفية التعامل مع الآخرين أو تعلمه كيف ينجح في الحياة أو كيف يصبح ثرياً أو كيف يحقق أحلامه...الخ، وهي كلها مجالات كان يتعلمها الفرد من خلال مؤسسات اجتماعية متعددة مثل الأسرة والمدرسة والنادي، وانتشار كتب تدور حول هذه الموضوعات يؤكد تراجع أدوار هذه المؤسسات.
في المقابل بالإمكان ملاحظة أن ترجمة الكتب الفكرية نادرة، أما الكتب العلمية فشبه معدومة. إن كل ترجمة لا بد أن يكون لها نتائج وتحقق إشباعات ثقافية ومعرفية معينة، فقد كانت الدولة العباسية في إحدى مراحلها في حاجة ماسة إلى ترجمة الفكر اليوناني العقلاني، من هنا انطلق مشروع الخليفة المأمون، وازدهر وتأثر به الكثير من المفكرين والفلاسفة في مختلف مراكز الحضارة العربية الإسلامية، وهنا علينا أن نسأل ما هي حاجاتنا المعرفية اليوم؟ وما الذي نريده من الترجمة؟ وهل نسعى إلى إنتاج كم أكبر من الروايات الخفيفة أو الكتب السطحية والعابرة والتافهة؟.
إن انتشار الترجمة نشاط يرتبط بقوة بمعدلات القراءة والإنتاج الفكري، وفي ظل وجود تقارير مماثلة ترصد تراجع معدلات القراءة، ومع توقفنا عن الإنتاج الفكري، هناك غياب فادح للحوارات والمعارك والجدل الفكري في ساحتنا العربية الراهنة، فإن علينا أن نعيد تقييم رؤيتنا للمعرفة، خاصة ونحن على أعتاب عصر تتلاحق فيه التطورات ويصاب فيه المتابع باللهاث، عصر لا يعترف إلا بمن يمتلكون بوصلة للتقدم.