لماذا نثق بالقديم دائماً؟ والأكثر إثارة للدهشة أن معظمنا يثق في هذا القديم حتى لو كان هناك من يشعر بشك تجاهه، هل يرجع ذلك إلى حكم العادة؟ كما يقال، هل نعتبر أن كل قديم أصيل؟ هل هو حنين كاذب تجاه الماضي؟ هل المسألة مجرد وفاء للذكريات؟
نحن نعيش فتنة القديم على المستويات كافة، وننتقد الجديد، وكل ما نجهله، وربما نرفضه أيضاً من مختلف أبعاده، لنأخذ مثلاً نموذج الإعلام، فالآن هناك حنين جارف إلى زمن قوة الصحافة الورقية والإعلام الموجه، ومصادر الأخبار التي نعتبرها الآن تقليدية، ونسينا أن قراءة الصحف لم تكن متاحة للجميع، وأن الإعلام الموجه ارتكب كوارث عدة، وأنه شكّل العقول تارة وعبث بها تارة أخرى، والآن الأخبار متاحة للجميع، والآراء متداولة ومطروحة على مدار الساعة وفي كل مكان، ويستطيع الإنسان الاختيار في مصادر معلوماته بين أكثر من بديل من خلال وسائل ذات مشارب متعددة ومتباينة، ولكن الجديد بقدر ما رسخ الفردية والوفرة فإنه جذّر التشتت والبلبلة، وهنا علينا أن ندرك أن كل عصر له سلبياته وإيجابيات، وأننا لا يجب أن ننجذب بعواطفنا وعقولنا إلى القديم بأكمله أو الجديد بكل فضاءاته.
هذه الصورة سنجدها متكررة في مختلف مفاصل نشاطنا الذهني، ففي الفكر أيضاً كان هناك دائماً من يؤيد القديم، ويستهجن الجديد، من يناصر أساليب البحث والنظر إلى الأمور والأشياء ورؤية العالم بنظرة عتيقة، وكنا نطلق عليه رومانسي النزعة لا علاقة له بالواقع، وكان هناك من يقدم المصلحة ويحسب خطواته قبل اتخاذ قراراته، الأول يتسم بالجرأة والثاني بالتعقل، ولكل منهما طريقة تفكيره الخاصة، ولكل منهما عيوبه ومزاياه.
في الأدب كان البطل المأزوم في الماضي يتسيد المشهد، وقرأنا الكثير من النماذج التي ملأتنا بالدهشة وعلقت في ذاكرتنا، ودفعتنا إلى التفاعل مع البطل، كانت الشخصيات آنذاك معيارية وقياسية تقدم النماذج التي يجب على الجميع تمثلها، ولكنها في النهاية كانت تصور شريحة من البشر، وتعبّر عن رؤاها وتطلعاتها وتفاعلها مع الواقع، ولم يكن الأدب معنياً بالبسطاء والمهمشين ولم يقارب أحلامهم، الآن يقدم الأدب النفس الإنسانية المسطحة ويستلهم كل ما هو سريع وعابر، وهنا لكل من القديم والجديد جمالياته ونقاط قوته ونقاط ضعفه أيضاً.
هذا الوضع تكرر في الفلسفة، ففي الماضي شيد الفلاسفة الأبنية النظرية الكبرى، والأفكار والتنظيرات ذات الثقل والوزن والتي تحتاج إلى دراسة وبحث بقدر ما تدفعنا إلى التفكر والتأمل، والآن إن وجدت الفلسفة فهي موجهة لرجل الشارع البسيط، يأخذ منها بقبس وهذا أفضل من الماضي حيث حُرم الإنسان العادي من الفلسفة.
الحال نفسها سنجدها في مختلف مفاصل حياتنا، ولكن علينا أن ننظر للأمر بموضوعية وعقلانية، فالقديم لا يتسم بالإيجابية على طول الخط، ولا يمكن أن نضع فيه ثقتنا المطلقة، ولا يجب أن يثير الجديد الشك والريبة والنفور، ولكل منهما جوانبه المظلمة والمضيئة، المهم أن نحسن الاختيار وتقييم الأمور.