جابر محمد الشعيبي*
منذ عقود ارتبط اسم الشارقة بالثقافة والفنون حتى غدت عاصمة للثقافة العربية والإسلامية ومركزاً للحوار الحضاري والإنساني. وقد تُوِّج هذا المسار حين اختارتها اليونسكو «العاصمة العالمية للكتاب»، في اعتراف دولي بدورها الريادي في تعزيز القراءة والنشر وصناعة المعرفة. كان هذا التكريم ثمرة عقود من العمل الثقافي الدؤوب، لكنه لم يكن سوى محطة ضمن مسار أوسع، إذ واصلت الإمارة التحول لتصبح نموذجاً اقتصادياً جديداً يقوم على الإبداع والمعرفة، في زمن يبحث فيه العالم عن بدائل للتجارة التقليدية والنفط.
لقد أثبتت الشارقة أن الثقافة يمكن أن تكون استثماراً اقتصادياً طويل الأمد وليست مجرد نشاط جانبي. فالمتاحف والمعارض والمهرجانات الفنية التي تحتضنها الإمارة تحولت إلى منصات جذب عالمية وأسهمت في جعلها وجهة رئيسية للسياحة الثقافية. ويبرز معرض الشارقة الدولي للكتاب باعتباره أحد أكبر الفعاليات في العالم، إذ استقطب في نسخته الأخيرة أكثر من مليوني زائر من مختلف الجنسيات، ما جعله ليس فقط تظاهرة معرفية وإنما أيضاً محركاً اقتصادياً ضخماً يعزز قطاعي السياحة والخدمات ويعكس نجاح الإمارة في المزج بين الهوية والاقتصاد.
وما يميز الشارقة أيضاً أنها لم تكتفِ بالتركيز على الثقافة المعاصرة، بل عملت على إبراز مواقعها الأثرية والطبيعية باعتبارها جزءاً من هويتها الحضارية. وتأتي منطقة الفاية كمثال على ذلك، حيث تشكّل واحة أثرية وسياحية تعكس عراقة التاريخ الإنساني في المنطقة. فالكهوف والجبال المحيطة بالفاية تحمل آثاراً ودلالات على حضارات قديمة، وقد تحولت اليوم إلى مقصد للباحثين والسياح على حد سواء، ما يضيف بعداً جديداً إلى التجربة الثقافية والسياحية في الإمارة. إدماج مثل هذه المواقع ضمن الرؤية التنموية يعكس قدرة الشارقة على توظيف تاريخها الطبيعي والثقافي لخلق قيمة اقتصادية مستدامة، وإبراز وجهها كإمارة تجمع بين التراث والحداثة.
وإذا كانت الثقافة قد شكلت الأساس، فإن التعليم والمعرفة وفرا الركيزة الثانية للتحول نحو الاقتصاد الإبداعي. الجامعات الكبرى مثل جامعة الشارقة والجامعة الأمريكية في الشارقة صارت مراكز بحثية وتعليمية تسهم في تخريج أجيال جديدة من الكفاءات القادرة على المنافسة عالمياً، فيما أتاحت مدينة الشارقة للنشر بيئة أعمال متخصصة تحتضن مئات الشركات ودور النشر وتوفر منصة إقليمية رائدة للصناعات الإبداعية.
تأتي أهمية هذه الخطوات في سياق وطني أوسع، إذ أعلنت دولة الإمارات عن هدف استراتيجي يتمثل في رفع مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2031. هذا الطموح يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية هذا القطاع في تحقيق النمو المستدام وتنويع الاقتصاد الوطني، والشارقة بمؤسساتها ومشروعاتها الثقافية والتعليمية مؤهلة لأن تكون لاعباً رئيسياً في تحقيق هذا الهدف، بل ولتكون نموذجاً يحتذى في المنطقة.
نجحت الشارقة أيضاً في دمج التكنولوجيا والابتكار ضمن رؤيتها الاقتصادية. فقد أسست مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار الذي يستقطب شركات ناشئة ورواد أعمال في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتصميم الصناعي، ليكمل بذلك حلقة التكامل بين الصناعات الإبداعية التقليدية والقطاعات المستقبلية الناشئة. هذه القدرة على الجمع بين الأصالة والحداثة وبين الثقافة والتكنولوجيا تمثل جوهر فلسفة الشارقة في التنمية.
وما يلفت الانتباه أن الإمارة لم تفصل بين الثقافة والمجتمع، بل جعلت الثقافة جزءاً من الحياة اليومية لأهلها. الأسر والشباب والطلاب يشاركون في الفعاليات والمعارض والأنشطة، ما يحول الثقافة من نشاطات نخبوية إلى تجربة مجتمعية شاملة. هذا الانخراط المجتمعي الواسع يضمن أن الاقتصاد الإبداعي ليس مجرد قطاع محدود النطاق، بل رافعة شاملة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية معاً.
ومع أن المنافسة الإقليمية والدولية في مجالات الاقتصاد الإبداعي تتصاعد يوماً بعد يوم، إلا أن ما يمنح الشارقة ميزة استثنائية هو أنها بنت مشروعها على أسس متينة من الثقافة والمعرفة. فالمتاحف والمكتبات والجامعات ليست مشاريع وقتية، بل أصول استراتيجية طويلة الأمد تثبت قدرتها على الصمود أمام التحولات العالمية. ومع تراكم الخبرة والإنجازات، تزداد فرص الإمارة في استقطاب الاستثمارات النوعية والمواهب العالمية الباحثة عن بيئة آمنة ومستقرة تدعم الابتكار.
تقدم الشارقة نموذجاً عربياً وعالمياً يبرهن على أن الثقافة ليست ترفاً وإنما أساس لتوليد الثروة وتعزيز الاستدامة، ومثالًا يُحتذى في الربط بين الهوية والازدهار وبين الأصالة والانفتاح على العالم.
*كاتب وباحث إماراتي