في معظم الجهات الحكومية العربية يتكرر المشهد ذاته، قاعات اجتماعات مزدحمة، عروض تقديمية مليئة بالمؤشرات، خطط طموحة تمتد لسنوات، وقوائم طويلة من المشاريع التي لا تنتهي.
الجميع يعملون والجميع منشغلون، والتقارير تصدر بانتظام. ومع ذلك يبقى السؤال حاضراً بهدوء: لماذا لا تنعكس كل هذه الحركة دائماً في نتائج ملموسة يشعر بها المواطن أو المستثمر؟ وكيف يمكن لكل هذا الجهد أن يبدو أحياناً أقل تأثيراً مما توحي به الأرقام والعروض التقديمية؟
المفارقة أن المشكلة لم تعد في نقص الرؤية أو غياب الاستراتيجيات. فالمنطقة اليوم من أكثر مناطق العالم إنتاجاً للخطط الوطنية وبرامج التحول. لدينا رؤى اقتصادية واضحة وأهداف للتنويع والاستدامة وميزانيات سخية ومؤشرات أداء دقيقة. لكن الفجوة بين جمال الوثيقة الاستراتيجية وواقع التنفيذ ما زالت قائمة. هذه الفجوة لا تتعلق بما نريد تحقيقه، بل بكيفية اختيار ما ننفذه فعلاً، وبقدرتنا على التمييز بين الضروري والثانوي.
خلال العقد الماضي لجأت حكومات كثيرة إلى إنشاء مكاتب لإدارة المشاريع على أمل ضبط التنفيذ وتسريع الإنجاز. غير أن هذه المكاتب، في كثير من الحالات، تحولت تدريجياً إلى وحدات إدارية تنشغل بالتفاصيل الشكلية أكثر من انشغالها بالأثر الحقيقي. أصبحت تتابع تحديث النماذج، وتراجع الجداول الزمنية، وتجمع التقارير الشهرية، وتقيس الالتزام بالإجراءات. وبمرور الوقت صار النجاح يُقاس بعدد المشاريع المغلقة أو نسبة الالتزام بالموعد، لا بمدى تحسن حياة الناس نتيجة تلك المشاريع، ولا بحجم القيمة التي أضافتها للاقتصاد.
وهنا يكمن الخلل الجوهري. فالحكومة ليست شركة مقاولات مهمتها تنفيذ أكبر عدد ممكن من المشاريع، بل جهة مسؤولة عن إحداث أكبر أثر ممكن بأفضل استخدام للموارد. قد تنفذ جهة ما عشرات المبادرات من دون أن يشعر بها أحد، بينما قد يغير مشروع واحد مصمم بعناية مسار قطاع كامل، لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس كم مشروعاً أنجزنا، بل هل أنجزنا المشاريع الصحيحة أصلاً؟ وهل كان يمكن استثمار الوقت والمال بطريقة أكثر ذكاءً.؟
من هذا المنظور يظهر الفرق بين مكتب إدارة مشاريع إداري وآخر استراتيجي. الأول يركز على الامتثال والإجراءات والتوثيق، ويتعامل مع المشروع كملف يجب إغلاقه في موعده. أما الثاني فيتعامل مع المشروع كاستثمار عام يجب أن يبرر كلفته ويحقق قيمة واضحة. الأول يسأل إن كانت التقارير مكتملة، بينما الثاني يسأل إن كانت النتائج تستحق الاستمرار. الأول يراقب التنفيذ، أما الثاني فيقود الاتجاه ويؤثر في القرار.
عندما يتحول مكتب إدارة المشاريع إلى دور استراتيجي تتغير طبيعة القرارات. يصبح التركيز على مواءمة كل مبادرة مع الأولويات الوطنية، وعلى قياس العائد الاقتصادي والاجتماعي لكل درهم يُنفق، وعلى امتلاك الجرأة لإيقاف المشاريع منخفضة الأثر حتى لو كانت قد بدأت بالفعل. في هذا النموذج لا تكون المتابعة هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لإعادة ترتيب الموارد باستمرار نحو ما يصنع الفرق الأكبر ويعظّم القيمة العامة.
وتزداد أهمية هذا التحول في بيئة معقدة كالتي نعيشها اليوم، حيث تتداخل الملفات الرقمية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية. مشروع تقني قد يؤثر في تجربة المستثمر، وتجربة المستثمر تؤثر في تدفق رأس المال، ورأس المال يؤثر في الوظائف والنمو. أي قرار خطأ في اختيار الأولويات قد يكلف سنوات من الموارد المهدرة ويؤخر تحقيق الأهداف الوطنية. لم يعد ممكناً تنفيذ كل فكرة جيدة، المطلوب هو التركيز الصارم على الأفكار الأهم فقط.
في دول الخليج تحديداً، ومع تسارع خطط التنويع الاقتصادي والمنافسة على جذب المواهب والاستثمارات، لم يعد حجم الإنفاق هو معيار النجاح. الكفاءة في الاختيار والسرعة في التصحيح أصبحتا العامل الحاسم. الحكومات التي ستنجح ليست تلك التي تنفذ أكثر، بل تلك التي تختار أفضل وتوقف ما لا يضيف قيمة، وتعيد توجيه جهودها بمرونة وفق المعطيات المتغيرة.
في النهاية، التنمية لا تُقاس بعدد المبادرات في التقارير السنوية، بل بما يلمسه الناس في حياتهم اليومية. حين تتحسن الخدمات وتُختصر الإجراءات وتتوسع الفرص، ويشعر المجتمع بأن الحكومة تعمل بذكاء لا بكثرة فقط، عندها يمكن القول إن الاستراتيجية نجحت. وهذا النجاح يحتاج إلى PMO استراتيجي يربط بين الرؤية والنتائج، لا إلى PMO إداري يكتفي بمتابعة الأوراق. فالخطط مهمة، والتنفيذ مهم، لكن التنفيذ الصحيح للأولويات الصحيحة هو ما يصنع التحول الحقيقي ويمنح الحكومات القدرة على تحقيق أثر مستدام.
كاتب وباحث إماراتي