جابر محمد الشعيبي*
ليست الشخصية الإماراتية نتاج لحظة عابرة أو تحوّل سريع فرضته الطفرة الاقتصادية، بل خلاصة مسار طويل تشكّل في بيئة قاسية، ثم أعاد بناء نفسه داخل مشروع دولة حديثة، من دون أن يفقد توازنه أو جذوره. وما يلفت الانتباه اليوم أن هذه الشخصية، بهدوئها واتزانها، تبدو أكثر قدرة على التعامل مع عالم مضطرب يزداد فيه الضجيج وتقل فيه الحكمة.
في الصحراء، حيث شحُّ المواردِ وقسوة الطبيعة، تشكّلت أول ملامح الشخصية الإماراتية. هناك تعلّم الإنسان قيمة الصبر، وأهمية الاعتماد على النفس، واحترام الكلمة، والوفاء بالعهد. لم تكن الصحراء مكاناً للترف أو المبالغة، بل مدرسة للواقعية والاختصار، حيث يُقاس الإنسان بفعله لا بخطابه، وبقدرته على التكيّف لا برفع الشعارات.
هذه القيم لم تكن أخلاقاً مجردة، بل أدوات للبقاء، وهو ما منح الشخصية الإماراتية نزعة عملية، بعيدة عن الاستعراض، وقريبة من الفعل الهادئ.
إلى جانب الصحراء، جاء البحر ليُكمِلَ الصورة: التجارة، والغوص، والانفتاح على الآخر، جعلت الإماراتي مبكراً على تماس مع ثقافات مختلفة، يتعامل معها بثقة لا بخوف، وبحساب لا باندفاع.
من هنا، لم تنشأ الشخصية الإماراتية منغلقة أو انعزالية، بل منفتحة بحذر، تعرف متى تأخذ ومتى ترفض، ومتى تتعلّم ومتى تحافظ على خصوصيتها. هذا التوازن بين الأصالة والانفتاح ظل سمة ثابتة، حتى مع قيام الدولة الحديثة.
مع تأسيس دولة الإمارات، لم تُقصَ هذه القيم، بل جرى استيعابها داخل مشروع تنموي واعٍ. فبناء الدولة لم يكن قطيعة مع المجتمع، بل امتدادٌ لعقله الجمعي. انعكست صفات القيادة على المجتمع: الواقعية، تفضيل الحلول على الصدام، والتركيز على الاستقرار طويل المدى بدل المكاسب الآنية. لم تُبنَ الدولة على خطاب أيديولوجي صاخب، بل على رؤية هادئة ترى في التنمية والإنسان أساس السيادة الحقيقية.
وفي قلب هذا التحوّل، تتجلّى رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لما أراده من الشخصية الإماراتية. لم يكن يريد إنساناً صاخباً أو متعالياً، بل شخصية واثقة وهادئة، تعرف قدر نفسها دون استعراض، وتوازن بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم. أراد إنساناً يحترم الكلمة، ويقدّر العمل، ويرى في الاستقرار مسؤولية مشتركة. لذلك جاء مشروع بناء الدولة امتداداً للقيم لا قطيعة معها، فترسّخت شخصية عملية، متصالحة مع جذورها، وقادرة على التكيّف مع الحداثة دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية.
ومن القيم الراسخة في هذا النموذج، عدم الانجرار إلى كراهية الشعوب مهما تعقّدت الخلافات السياسية أو احتدمت الصراعات، وكذلك عدم الردّ على المجتمعات أو الأصوات التي تبني مواقفها على الكراهية أو التشويه تجاه الإمارات. فالشخصية الإماراتية تميّز بوضوح بين الخلاف مع السياسات، واحترام الإنسان كإنسان، وترفض الدخول في سجالات تُغذّي الانقسام. هذا السلوك ليس تعالياً ولا تجاهلاً، بل وعيٌ أخلاقي وخيارٌ استراتيجي حافظ على توازن الخطاب، ومنح الدولة قدرة أكبر على بناء الجسور وترسيخ صورتها كفاعل هادئ في عالم يميل سريعاً إلى الاستقطاب والانفعال.
وفي زمن العولمة، واجهت الشخصية الإماراتية اختباراً إضافياً: كيف تنفتح على العالم من دون أن تذوب فيه؟ هنا برز ذكاءُ هذا النموذج، إذ لم يُترجم الانفتاح الاقتصادي والثقافي إلى فقدان للهوية، بل إلى إعادة تعريفها بثقة، قائمة على السلوك والقيم لا على الشكل والمظهر. الاحترام، الالتزام، والعمل بصمت، أصبحت سماتٍ تعكس جوهرَ الشخصية الإماراتية في الفضاء العالمي.
ويظهر هذا الامتداد اليوم بوضوح في أجيال شابة تجمع بين الطموح والانضباط، وبين الانفتاح والمسؤولية. فالتعليم، وتمكين الشباب، والعمل المؤسسي، لم تُنتج قطيعة مع الهوية، بل أعادت صياغتها بلغة العصر. باتت الشخصية الإماراتية أكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا، والأسواق العالمية، وتحديات المستقبل، دون أن تفقد حسّها الجمعي أو التزامها بقيم التعايش والاستقرار.
بهذا المعنى، لم تعد الشخصية الإماراتية مجرد توصيف ثقافي، بل أصبحت رأس مال وطنياً يحمي الاستقرار ويمنح صانع القرار هامش حركة أوسع، ويخلق بيئة قادرة على امتصاص الصدمات دون انهيار. وفي عالم باتت فيه الانفعالات أعلى من الحكمة، يقدّم النموذج الإماراتي درساً هادئاً مفاده بأن القوة لا تُقاس بعلوّ الصوت، بل بالقدرة على الاستمرار، وأن الهوية الأكثر صلابة هي تلك التي تعرف كيف تتغيّر من دون أن تفقد نفسها.
* كاتب وباحث