د.عبدالله أحمد آل علي*

الضربات التي استهدفت قيادات من حركة «حماس» على أرض دولة وسيطة، مثل دولة قطر، شكّلت ضربة مباشرة للبنية المؤسِّسة لأي عملية تفاوض. فالمبدأ الأساسي في الوساطة يقوم على توفير «حيّز آمن» يضمن حياد الوسيط وسلامة الأطراف المشاركة في المداولات.

حين تُستهدف شخصيات تفاوضية في الدوحة، حيث كانت تدور محادثات مرتبطة بوقف إطلاق النار وتبادل الرهائن، فإن الرسالة العملية واضحة: كلفة الجلوس إلى طاولة التفاوض قد تفوق فوائده. وقد حذّر دبلوماسيون من أن الضربة تقلّص آفاق التهدئة، وتزيد من احتمالات نسف مسار إطلاق المحتجزين، وهو ما عبّر عنه أيضاً مسؤولون قطريون بالقول إن الاعتداء «قتل أي أمل» في هذا المسار.

انعكاسات قانونية وسيادية دولية

من زاوية القانون الدولي، يُعد الهجوم اعتداءً على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة خارج ساحة العمليات المعلنة. لذلك، جاء التنديد واسعاً ومتعدد الاتجاهات: الصين وصفت الضربة بانتهاك للسيادة، وروسيا اعتبرتها «انتهاكاً جسيماً» لميثاق الأمم المتحدة، فيما أبدت واشنطن انزعاجاً واضحاً من الخطوة.

هذا التوافق الدولي غير المسبوق يزيد الكلفة الدبلوماسية على إسرائيل ويغذّي سردية عزلتها المتنامية. وفي هذا السياق، صرّح وزير الخارجية القطري في مقابلة مع شبكة CNN، بأن «هذا التصرف يدلل على إرهاب الدولة»، في إشارة مباشرة إلى أن الاستهداف لا يُعد خرقاً للسيادة فحسب، بل يمثل أيضاً سلوكاً ممنهجاً لتقويض أسس القانون الدولي، ما يرفع مستوى الخطاب القطري إلى اتهام صريح يضع إسرائيل في خانة الدول الممارسة للإرهاب.

تقويض قنوات التفاوض

استراتيجياً، حاولت إسرائيل أن توظف الضربة كوسيلة ضغط مباشر على خصمها، لكنها عملياً قوّضت الأداة الأنجع لتحقيق أهدافها: قنوات الوساطة. فكلما تراجعت الثقة بالعملية التفاوضية، ازدادت احتمالات تعنّت الأطراف المسلحة وتشتّت قنوات الاتصال. لهذا حذرت أوساط أمريكية من أن الضربة قد تُفشل جهود وقف إطلاق النار، وتقلّل قدرة واشنطن على إدارة الأزمة.

إعادة معايرة الدور القطري

ورغم الاستهداف، تشير المؤشرات إلى أن قطر لن تتخلى عن دورها كوسيط محوري، لكنها ستعيد معايرة أدواتها. فمن المتوقع أن تشدد إجراءات حماية الاجتماعات، وترفع من مستوى الضمانات الأمنية المطلوبة، وتسعى لتوسيع المظلّة الدولية الداعمة لدورها. هذا التوجّه البراغماتي يعكس إدراكاً قطرياً بأن غياب الوساطة المنظمة سيترك فراغاً خطِراً يفتح الباب لفوضى الاتصالات، بما يضر بمصالح أطراف دولية كبرى تعتمد على استقرار الدوحة سياسياً ولوجستياً.

ارتدادات خليجية

الهجوم على وسيط خليجي مثل قطر يثير بدوره حساسيات إقليمية. فقد حرّك قلقاً لدى العواصم العربية، خاصة تلك التي ترتبط بقنوات خلفية مع واشنطن، وأدى إلى تقارب في المواقف العربية بشأن صون سيادة الدول ومنع تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات العابرة للحدود. وقد صدرت بالفعل إدانات عربية متواترة عبّرت عن رفض قاطع لهذا الاعتداء الغاشم.

ويعد هذا السلوك غير الأخلاقي كُلفاً أمنية على الشركاء الغربيين إلى جانب ذلك، تحمل الضربة انعكاسات مباشرة على حسابات الحلفاء الغربيين، إذ تستضيف الدوحة أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة (قاعدة العديد). أي اضطراب أمني على الأراضي القطرية يجبر الولايات المتحدة وشركاءها على إعادة النظر في ترتيبات حماية قواتها ومصالحها، وهو ما يضعف الجسر الدبلوماسي الذي تمثله قطر في إدارة الصراع.

المآلات المتوقعة

قد تعتبر القيادة الإسرائيلية الضربة «نجاحاً تكتيكياً» ضد شخصيات من «حماس»، لكن على المدى المتوسط والطويل، يُرجّح أن تدفع إسرائيل ثمناً استراتيجياً باهظاً: تشدّد قطري في بروتوكولات الوساطة، تراجع انفتاح القوى الغربية على الخطوات الأحادية المماثلة، وتنامي الدعوات في مجلس الأمن لتحصين «حرمة الوساطة» كآلية دولية لحل النزاعات. إنها مكاسب عملياتية محدودة مقابل خسائر مؤسسية عميقة في منظومة إدارة الأزمات.

وفي الختام، إن منطق الدولة التي تبحث عن مصالح متبادلة يستلزم صون الوسطاء لا استهدافهم. فالهجوم على قطر لا يغيّر فقط قواعد اللعبة في التفاوض، بل يبعث برسالة سلبية لكل وسيط محتمل، أن الحياد لا يحميك. وإذا لم يُعالج هذا الخلل، فإن النتيجة ستكون عالماً أقل تفاوضاً وأكثر مقامرة، وهو ما لا يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح إسرائيل ذاتها. هذا المسار الذي ينتهجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضع الدولة الإسرائيلية في رهانات أمنية غير مسبوقة ويعمّق من عزلتها الإقليمية والدولية.

*باحث في الشان الأمني

[email protected]