تتلاقى في التاريخ لحظات فارقة، تبرهن أن جغرافيا الأزمات لم تعد تعترف بالحدود الفاصلة، فالشرق الأوسط ليس مجرد ساحة بعيدة عن الصراعات في أوروبا، بل هو الشريان الحيوي الذي يضخ النبض في عصب الاقتصاد العالمي، فلم تعد التوترات العسكرية الدائرة في المنطقة مجرد أحداث جيوسياسية نائية، بل تحولت إلى فتيل مباشر يعمّق الأزمة المعيشية والاقتصادية التي تضرب صميم القارة الأوروبية.
واليوم، مع ارتباك حركة هذا الشريان الحيوي، تجد العواصم الغربية نفسها أمام منعطف بليغ الأثر، إذ لم تعد «فاتورة مضيق هرمز» مجرد اختناق عابر في خطوط الإمداد، أو مفردة طارئة في تقارير التضخم، بل استحالت عاصفة هيكلية تعيد رسم ملامح المشهدين السياسي والاجتماعي في خريف القارة العجوز.
لقد جاءت تعثرات تدفق الطاقة وانقطاع شريان التجارة البحرية، لترفع الغطاء عن هشاشة النموذج الاقتصادي الأوروبي، تاركة المواطن الغربي في مواجهة مباشرة مع استحقاقات معيشية قاسية، تضع منجزات الرفاه الاجتماعي ذاتها على محك الاختبار، إذ تتصدر «فاتورة هرمز» واجهة المشهد، باعتبارها أحد أبرز المحركات الدافعة لاشتعال الشارع الأوروبي، حيث أسفرت الاضطرابات الملاحية، وأزمة إمدادات الوقود عبر المضيق، عن موجات غلاء وتضخم غير مسبوق، وضعت المواطن الأوروبي أمام ضغوط معيشية خانقة.
وعلى الرغم من أن هذه الأزمة جاءت، لتتغذى على أزمات هيكلية أعمق، تتجسد في اتساع الفجوة الاقتصادية، والتراجعات الحادة في ميزانيات الرعاية الصحية والتعليم، إلا أن لهيب أسعار الطاقة الناجم عن تعطل حركة الملاحة، عجل بانفجار الغضب الشعبي والاحتجاجات العمالية.
وفي هذا السياق، تواجه أوروبا موجة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية والشبابية في عدد من الدول، وذلك مع تصاعد الدعوات إلى التظاهر عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسط مخاوف حكومية متزايدة من تحول بعض التجمعات إلى أعمال عنف وتخريب.
وتكشف خريطة الاحتجاجات عن اتساع نطاق التحركات في القارة، إذ شهدت 12 دولة أوروبية نحو 200 احتجاج منذ منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، تركزت بشكل أكبر في فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا والبرتغال وبلجيكا.
ومن جهة أخرى، تتكثف التحركات الدبلوماسية، لاحتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، وذلك في محاولة لوقف تداعيات الحرب. وفي هذا الشأن، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة دمرت جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية الإيرانية، مؤكداً في الوقت نفسه أن المفاوضات مع إيران لإنهاء الحرب تسير بشكل جيد، وأن الولايات المتحدة ليست في عجلة من أمرها لاتخاذ إجراء هجومي.
وختاماً، فإن تهدئة الصراعات الإقليمية باستعادة الملاحة، تظل خطوة حتمية لمنع مزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة، وإذا لم تكلل المفاوضات الدبلوماسية بالنجاح لتخفيف التوتر، فإن ضغوط فاتورة «هرمز» في خريف أوروبا ستواصل تغذية الاحتجاجات العمالية والاجتماعية، ما قد يضع العواصم الغربية أمام تحديات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً في القريب.
Mohmed [email protected]
